تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 406

مساهمون:

ص٤٠٦
فلا بد من بيان السبب فيه . وإنما قلنا إنه أظهر الموجودات وأجلاها لمعنى لا تفهمه إلا بمثال : وهو أنا إذا رأينا إنسانا يكتب أو يخيط مثلا كان كونه حيا عندنا من أظهر الموجودات ، فحياته وعلمه وقدرته وإرادته للخياطة أجلى عندنا من سائر صفاته الظاهرة والباطنة ، إذ صفاته الباطنة كشهوته وغضبه وخلقه وصحته ومرضه وكل ذلك لا نعرفه ، وصفاته الظاهرة لا نعرف بعضها وبعضها نشك فيه كمقدار طوله واختلاف لون بشرته وغير ذلك من صفاته . أما حياته وقدرته وإرادته وعلمه وكونه حيوانا ، فإنه جلي عندنا من غير أن يتعلق حس البصر بحياته وقدرته وإرادته ، فإن هذه الصفات لا تحس بشيء من الحواس الخمس ، ثم لا يمكن أن تعرف حياته وقدرته وإرادته إلا بخياطته وحركته ، فلو نظرنا إلى كل ما في العالم سواه لم نعرف به صفته ، فما عليه إلا دليل واحد وهو مع
شرح
الأمر بالضد من ذلك ، فلا بد من بيان السبب فيه وإنما قلنا أنه أظهر الموجودات وأجلاها لمعنى ) تقدمت الإشارة إليه . وحاصله : أن المحبة هي الصلة بين العبد وبين اللّه تعالى في الدنيا والآخرة ، إذ العارف لا يفارق المعروف كما لا يريد عنه بدلا لأن معرفة اللّه ألذ المعارف وألذ الأشياء وأشهاها للقلوب ، لأن كل ذات جميلة على اختلاف أنواعها ومراتبها لا يميل إليها البصر أو البصيرة إلا وهي تشهد كمال خالقها وكمال صانعها ، وكلما كانت الصنعة شريفة جميلة دلت على شرف ذات الخالق وكمال صفاته من العلم والحكمة والقدرة ، فإن كانت القلوب تميل إلى الذوات الجميلة وتلتذ بإدراكها فالتذاذها بالأشرف أشرف وبالأكمل أكمل ، ولمعنى هذا سبق النظر إلى الخالق قبل الخلق ، وهذا لا يكون إلا لمن غلبت روحانيته على جثمانيته ، وإلا فمن غلبت جثمانيته على روحانيته سبق نظره إلى الخلق دون الخالق وانعدم التذاذه بالعلوم والمعارف وهو جلّ الأسباب المانعة من معرفة اللّه تعالى ، وإلا فمعرفة اللّه أظهر المعارف ووجوده أظهر الموجودات ، وما مثلنا في الغفلة عن معرفة اللّه ووجوده إلا كمن غفل عن وجود نفسه وكونه موجودا حيا ، وذلك إما لإلفه بوجوده أو شغل قلبه بمهم من المهمات أذهله عن وجوده ، وإلا فمن ظهر له وجود نفسه ظهر له وجود اللّه تعالى لأنه نفسه ونفس العالم أثر من آثار قدرة اللّه تعالى ، وهذا المعنى ( لا تفهمه إلا بمثال وهو : أنا إذا رأينا إنسانا يكتب أو يخيط مثلا كان كونه حبا عندنا من أظهر الموجودات ، فحياته وعلمه وقدرته وإرادته للخياطة أجلى عندنا من سائر صفاته الظاهرة والباطنة إذ صفاته الباطنة كشهوته وغضبه وخلقه وصحته ومرضه ، وكل ذلك لا نعرفه وصفاته الظاهرة لا نعرف إلا بعضها وبعضها نشك فيه كمقدار طوله واختلاف لون بشرته ) أي ظاهر جلده ، ( وغير ذلك من صفاته . أما حياته وقدرته وعلمه وإرادته وكونه حيوانا فإنه جلي عندنا من غير أن يتعلق حس البصر بحياته وقدرته وإرادته ، فإن هذه الصفات لا تحس ) أي لا تدرك ( بشيء من الحواس الخمس ) الظاهرة ، ( ثم لا يمكن أن تعرف حياته وقدرته وإرادته إلا بخياطته وحركته ) أي حركة يده ، ( فلو نظرنا إلى كل ما في العالم سواه لم نعرف به صفته
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 406 | مرتضى الزبيدي