إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 408
أنّ يد الكاتب لم تتحرك بنفسها ، ولكن لما لم يبق في الوجود شيء مدرك ومحسوس ومعقول وحاضر وغائب إلا وهو شاهد ومعرف عظم ظهوره فانبهرت العقول ودهشت عن إدراكه . فإن ما تقصر عن فهمه عقولنا . فله سببان : أحدهما : خفاؤه في نفسه وغموضه وذلك لا يخفى مثاله . والآخر : ما يتناهى وضوحه ، وهذا كما أن الخفاش يبصر بالليل ولا يبصر بالنهار ، لا لخفاء النهار واستتاره لكن لشدة ظهوره فإن بصر الخفاش ضعيف يبهره نور الشمس إذ أشرقت فتكون قوة ظهوره مع ضعف بصره سببا لامتناع ابصاره فلا يرى شيئا إلا إذا امتزج الضوء بالظلام وضعف ظهوره . فكذلك عقولنا ضعيفة وجمال الحضرة الإلهية في نهاية الإشراق والاستنارة وفي غاية الاستغراق والشمول ، حتى لم يشذ عن ظهوره ذرة من ملكوت السماوات والأرض فصار ظهوره سبب خفائه ، فسبحان من احتجب بإشراق نوره واختفى عن البصائر والأبصار ومحسوس ومعقول وحاضر وغائب إلا وهو شاهد ) عليه ودليل ( ومعرف عظم ظهوره ، فأنبهرت العقول ودهشت عن إدراكه ، [ ما يقصر عن فهمه عقولنا وسبباه ] فإن ما يقصر عن فهمه عقولنا فله سببان ) : ( أحدهما : خفاؤه في نفسه وغموضه ) ودقته ( وذلك لا يخفى مثاله ) . ( والآخر : ما يتناهى وضوحه ) إلى الغاية ( وهذا كما أن الخفاش ) بضم وتشديد طائر معروف ، قيل : هو الوطواط غريب الشكل والوصف ( يبصر بالليل ) ويلتمس الوقت الذي لا ضوء فيه ، ( ولا يبصر بالنهار لا لخفاء النهار واستتاره ) لكن لشدة ظهوره وكثرة انتشار ضوئه ( مع ضعف بصره ، فإن بصر الخفاش ضعيف يبهره نور الشمس إذا أشرقت ) وكذا ضوء القمر ، وفيه يقول الشاعر : مثل النهار يزيد أبصار الورى * نورا ويعمى أعين الخفاش ( فتكون قوة ظهوره مع ضعف بصره سببا لامتناع ابصاره فلا يرى شيئا إلا إذا امتزج الضوء بالظلام وضعف ظهوره ) وهو قرب الغروب ، وفي هذا الوقت ينتشر البعوض يطلب القوت وهو دماء الإنسان ، وينتشر الخفاش يطلب البعوض ، ( فكذلك عقولنا ضعيفة ) لا شعاع لها ( وجمال الحضرة الإلهية في نهاية الإشراق والإستنارة وفي غاية الاستغراق والشمول ، حتى لم يشذ عن ظهره ذرة من ملكوت السماوات والأرض فصار ظهوره سبب خفائه ) ، وفي هذا المعنى أنشدني شيخنا المرحوم العارف وجيه الدين عبد الرحمن بن مصطفى العيدروسي الحسني قدس اللّه سره ، في ثامن عشر رجب سنة 1133 بالطائف لبعضهم :