فإن ذلك مما يتعالى عنه رب الأرباب علوا كبيرا ، بل كما عرفته في الدنيا معرفة حقيقة تامة من غير تخيل وتصوّر وتقدير شكل وصورة ، فتراه في الآخرة كذلك . بل أقول :
المعرفة الحاصلة في الدنيا بعينها هي التي تستكمل فتبلغ كمال الكشف والوضوح وتنقلب مشاهدة ، ولا يكون بين المشاهدة في الآخرة ، والمعلوم في الدنيا اختلاف إلا من حيث زيادة الكشف والوضوح ، كما ضربنا من المثال في استكمال الخيال بالرؤية ، فإذا لم يكن في معرفة اللّه تعالى إثبات صورة وجهه فلا يكون في استكمال تلك المعرفة بعينها وترقيها في الوضوح إلى غاية الكشف أيضا جهة وصورة لأنها بعينها لا تفترق منها إلا في زيادة الكشف ، كما أن الصورة المرئية هي المتخيلة بعينها في زيادة الكشف ، وإليه الإشارة بقوله تعالى :
نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا
[ التحريم :
8 ] إذ تمام النور لا يؤثر إلا في زيادة الكشف ، ولهذا لا يفوز بدرجة النظر والرؤية إلا العارفون في الدنيا ، لأن المعرفة هي البذر الذي ينقلب في الآخرة مشاهدة كما تنقلب النواة شجرة والحب زرعا ، ومن لا نواة في أرضه كيف يحصل له نخل ؟ ومن لم يزرع الحب فكيف يحصد الزرع ، فكذلك من لم يعرف اللّه تعالى في الدنيا فكيف يراه في الآخرة ؟ ولما كانت المعرفة على درجات متفاوتة كان التجلي أيضا على درجات متفاوتة ،
شرح
فإن ذلك مما يتعالى عنه رب الأرباب ) جل جلاله ( علوا كبيرا ) لتنزهه عن المكان وعن تطرق الخيال والتصوير إليه ، ( بل كما عرفته في الدنيا معرفة حقيقة تامة من غير تخيّل وتصور وتقدير شكل وصورة ، فتراه في الآخرة كذلك بل أقول : المعرفة الحاصلة في الدنيا بعينها هي التي تستكمل فتبلغ كمال الكشف والوضوح وتنقلب مشاهدة ، ولا يكون بين المشاهدة في الآخرة ، والمعلوم في الدنيا اختلاف إلا من حيث زيادة الكشف والوضوح ، كما ضربنا من المثال ) فيما سبق ( في استكمال الخيال بالرؤية ، فإذا لم يكن في معرفة اللّه تعالى إثبات صورة وجهه ) وتقدير شكل ( فلا يكون في استكمال تلك المعرفة بعينها وترقيها في الوضوح إلى غاية الكشف أيضا جهة وصورة لأنها هي بعينها إلا في زيادة الكشف كما أن الصورة المرئية هي المتخيلة بعينها لا تفترق منها إلا في زيادة الكشف ، وإليه الإشارة بقوله تعالى :نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَناإذ تمام النور لا يؤثر إلا في زيادة الكشف ) كما يرشد إليه لفظ الإتمام الذي هو بمعنى التوفية ، ( ولهذا لا يفوز بدرجة النظر والرؤية إلا العارفون في الدنيا لأن المعرفة هي النور الذي ينقلب في الآخرة مشاهدة ، كما تنقلب النواة شجرة والحبة زرعا ، ومن لا نواة في أرضه فكيف يحصل له نخل ، ومن لم يزرع الحب فكيف يحصد الزرع ؟ فكذلك من لم يعرف اللّه تعالى في الدنيا فكيف يراه في الآخرة ؟ ولما كانت المعرفة على درجات متفاوتة كان التجلي أيضا على