تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 367

مساهمون:

ص٣٦٧
أحبك حبين حب الهوى * وحبا لأنك أهل لذاكا فأما الذي هو حب الهوى * فشغلي يذكرك عمن سواكا وأما الذي أنت أهل له * فكشفك لي الحجب حتى أراكا فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي * ولكن لك الحمد في ذا وذاكا
ولعلها أرادت بحب الهوى : حب اللّه لإحسانه إليها وإنعامه عليها بحظوظ العاجلة ، وبحبه لما هو أهل له : الحب لجماله وجلاله الذي انكشف لها ؛ وهو أعلى الحبين وأقواهما ،
شرح
المحبة ) أبياتا ( نظما ) تحتاج إلى شرح حملها عنها أهل البصرة وغيرهم ، منهم سفيان الثوري ، وجعفر بن سليمان الضبعي ، وعبد الواحد بن زيد ، وحماد بن زيد وهي هذه :( أحبك حبين حب الهوى * وحبا لأنك أهل لذاك فأما الذي هو حب الهوى * فشغلي بذكرك عمن سواك وأما الذي أنت أهل له * فكشفك للحجب حتى أراك فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي * ولكن لك الحمد في ذا وذاك )وقد تكلم صاحب القوت على هذه الأبيات بكلام ساطع الأنوار يعرفه من رزقه وينكره من حرمه ، والمصنف رحمه اللّه تعالى أشار إلى زبدة كلامه ، فلنورد كلامه أولا ، ثم كلام صاحب القوت . قال المصنف : ( ولعلها أرادت بحب الهوى حب اللّه لإحسانه إليها وإنعامه عليها بحظوظ العاجلة وبحبه لما هو أهل له الحب لجماله وجلاله الذي انكشف لها وهو أعلى الحبين ) ، فقد أشار بذلك إلى أن كلامها يدل على أن المحبة بهذا السبب أقوى الأسباب وأثبتها دواما . وأما صاحب القوت فقال : فأما قولها حب الهوى ، وقولها حب أنت أهل له وتفرقتها بين الحبين فإنه يحتاج إلى تفصيل حتى يقف عليه من لا يعرفه ويخبره من لم يشهده ، وفي تسميته ونعت وصفه إنكار من ذوي العقول ممن لا ذوق له منه ولا قدر له به ، ولكنا نجمل ذلك وندل عليه من عرفه معنى حب الهوى أي رأيتك فاحببتك عن مشاهدة اليقين لا من خبر وسمع تصديق من طريق النعم والإحسان ، فتختلف محبتي إذا تغيرت الأفعال لاختلاف ذلك عليّ ، ولكن محبتي من طريق العيان فقربت منك وهربت إليك فاشتغلت بك لما تفرغت لك ، كما قال المحب :فرغت قلبها إشتغالا بذكرى * وكذا كل فارغ مشغولوعلى هذا المعنى قوله تعالى :وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً[ القصص : 10 ] أي ملآن بذكره حتى فاض فكادت أن تظهره ، فتقول : هو ابني فعبّر عن الملء بالفراغ من ضده لولا أن أولينا عليه بربطنا فكظمت ، ولو لم تفعل لأظهرت ولو أظهرته لقتل . وأما الحب الثاني الذي هو أهل له تعني حب التعظيم والإجلال لوجه العظيم ذي الجلال تقول : ثم