جاوز نقصان الصبا والعته فلذة معرفة اللّه تعالى ومطالعة جمال حضرة الربوبية والنظر إلى أسرار الأمور الإلهية ألذ من الرئاسة التي هي أعلى اللذات الغالبة على الخلق ، وغاية العبارة عنه أن يقال :
فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ
[ السجدة : 17 ] وأنه أعد لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، وهذا الآن لا يعرفه إلا من ذاق اللذتين جميعا ، فإنه لا محالة يؤثر التبتل والتفرد والفكر والذكر وينغمس في بحار المعرفة ويترك الرئاسة ، ويستحقر الخلق الذين يرأسهم لعلمه بفناء رئاسته وفناء من عليه رئاسته ، وكونه مشوبا بالكدورات التي لا يتصوّر الخلو عنها ، وكونه مقطوعا بالموت الذي لا بد من إتيانه مهما أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها فيستعظم بالإضافة إليها لذة معرفة اللّه تعالى ومطالعة صفاته وأفعاله ونظام مملكته من أعلى عليين إلى أسفل السافلين ، فإنها خالية عن المزاحمات والمكدرات متسعة للمتواردين عليها لا تضيق عنهم بكبرها ، وإنما عرضها من حيث التقدير السماوات والأرض ، وإذا خرج النظر عن المقدرات فلا نهاية لعرضها ، فلا يزال العارف
شرح
أغلب اللذات على من جاوز نقصان الصبي والعته ، فلذة معرفة اللّه ومطالعة جمال حضرة الربوبية والنظر إلى أسرار الأمور الإلهية ) بعين البصيرة ( ألذ من الرئاسة التي هي أعلى اللذات الغالبة على الخلق ) والعبارة عن هذه اللذة عسر ، ( وغاية العبارة عنه أن يقال ) كما أخبر عنه اللّه تعالى (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ) وكما أخبر عنه رسوله صلّى اللّه عليه وسلم ( أنه أعد لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ) ، وذلك فيما قاله حاكيا عن ربه عز وجل . « أعددت لعبادي الصالحين » الحديث رواه البخاري من حديث أبي هريرة ، ( وهذا الآن لا يعرفه إلا من ذاق اللذتين جميعا فإنه لا محالة يؤثر التبتل والتفرد ) عن الخلق ( والفكر والذكر ) ويرابط قلبه على المراقبة ، ( وينغمس في بحار المعرفة ويترك الرئاسة ) والاستعلاء ( ويستحقر الخلق الذين يرأسهم ) ويعلو عليهم ( لعلمه بفناء رئاسته وفناء من عليه رئاسته ، وكونه مشوبا بالكدورات التي لا يتصور الخلو عنها ) ولا عن القدرة ، ( وكونه مقطوعا بالموت الذي لا بد من إتيانه مهماأَخَذَتِ الْأَرْضُ )أي أرض الوجود( زُخْرُفَها )أي زينتها( وَازَّيَّنَتْ )أي تلألأت بكمال بهجتها ،( وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها )وتمام الآيةأَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً[ يونس : 24 ] والمراد بإتيان الأمر هو الموت ، ( فليستعظم بالإضافة إليها لذة معرفة اللّه تعالى ومطالعة صفاته ) العلية ( وأفعاله ) ومعاملاته مع عبيده ( ونظام مملكته من أعلى عليين إلى أسفل السافلين ، فإنها خالية عن المزاحمات ) والمدافعات ( والمكدرات متسعة للمتواردين عليها لا تضيق عنهم بكثرتها ، وإنما عرضها من حيث التقدير السماوات والأرض وإخراج النظر عن المقدرات فلا نهاية