عليه السلام : لا يكون عالما من لم يفرح بدخول المصائب والأمراض على جسده وماله لما يرجو في ذلك من كفارة خطاياه . وروي أن موسى عليه السلام نظر إلى عبد عظيم البلاء فقال : يا رب ارحمه . فقال تعالى : كيف ارحمه فيما به ارحمه - أي أكفر ذنوبه وأزيد في درجاته .
شرح
الجنة » ) رواه هناد والترمذي من حديث أبي هريرة بلفظ « يقول اللّه تعالى من أذهبت حبيبتيه فصبر واحتسب لم أرض له ثوابا دون الجنة » . ورواه أبو الشيخ في الثواب من حديث أنس « قال اللّه تبارك وتعالى لا أقبض كريمتي عبدي وحبيبتيه فيصير لحكمي ويرضى بقضائي فأرضى له ثوابا دون الجنة » . ورواه أبو يعلى بلفظ « إذا أخذت كريمتي عبد لم أرض له ثوابا دون الجنة » .
وفي الباب عن جماعة من الصحابة قد سبق في كتاب الصبر ، ( قال : فلقد كان في الأنصار من يتمنى العمى ) . ولفظ القوت ، قال : فلقد رأيت الأنصار يتمنون العمى قال : ولما جاءت الحمى تستأذن على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : اذهبي إلى أهل قباء وهذا أحد الوجهين في قوله تعالىيُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا[ التوبة : 108 ] أي من الآثام والذنوب بالحمى والأمراض ، فلو لم يكن في ذلك إلا محبة اللّه وشهادته بطهارة العبد بالعلة لكان نصيبا موفورا . قال : فاسقمتهم الحمى وأنهكتهم ، فجاؤوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يسألونه كفها . قال : إن أحببتم تركها وكانت لكم طهورا فقالوا : نتركها فشكر اللّه صبرهم ، فأخبر بمحبته لهم فكان من هذا أن تلك الأمراض اختيارا للّه وايثار محبته وأنها أفضل بحسن ثناء اللّه عليهم باختيارهم .
( وقال عيسى عليه السلام : لا يكون عالما من لم يفرح بدخول المصائب والأمراض على جسده وماله لما يرجو في ذلك من كفارة خطاياه ) نقله صاحب القوت قال : فالصديقون يبتلون بعلل الجوارح والمنافقون بأمراض القلوب لأن في أمراض الأجسام ضعفها عن الآثام والطغيان وفي أمراض القلوب ضعفها عن أعمال الآخرة والإيقان .
( وروي أن موسى عليه السلام نظر إلى عبد عظيم البلاء فقال : يا رب ارحمه ) فإني قد رحمته ، ( فقال تعالى ) وحيا إليه : ( كيف أرحمه فيما به أرحمه ) نقله صاحب القوت ( أي به أكفر ذنوبه وأزيد في درجاته ) وقال اللّه تعالى في تصديق ذلكوَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا[ المؤمنون : 75 ] الآية فأخبر أن في ترك الرحمة لهم من الأمراض لطفا بهم ورحمة بالمنة لهم . قال صاحب القوت : وروينا أن عبد الواحد بن زيد خرج في نفر من إخوانه إلى بعض نواحي البصرة فأواهم المسير إلى كهف جبل ، فإذا فيه عبد مقطع بالجذام يسيل جسده قيحا وصديدا وقالوا : يا هذا لو دخلت البصرة فتعالجت من هذا الداء الذي بك فرفع طرفه إلى السماء وقال : يا سيدي سلطت علي هؤلاء يسخطون عليك ويكرهون إلى قضاءك ، سيدي أستغفرك من ذلك الذنب لك العقبى أن أعود فيه أبدا أصرفهم عني أرددهم عني قال : وكنا جماعة فما ملكنا رؤوس دوابنا ولا قدرنا على ضبطها حتى ردتنا عنه إلى البصرة .