الجوع مدة والرضا بالموت إن تأخر الرزق نادرا ، وملازمة البلاد والأمصار أو ملازمة البوادي التي لا تخلو عن حشيش وما يجري مجراه ؛ فهذه كلها أسباب البقاء ولكن مع نوع من الأذى ، إذ لا يمكن الاستمرار عليه إلا بالصبر والتوكل في الأمصار أقرب إلى الأسباب من التوكل في البوادي ، وكل ذلك من الأسباب إلا أن الناس عدلوا إلى أسباب أظهر منها ، فلم يعدوا تلك أسبابا وذلك لضعف إيمانهم وشدة حرصهم وقلة صبرهم على الأذى في الدنيا لأجل الآخرة واستيلاء الجبن على قلوبهم بإساءة الظن وطول الأمل ، ومن نظر في ملكوت السماوات والأرض انكشف له تحقيقا أن اللّه تعالى دبر الملك والملكوت تدبيرا لا يجاوز العبد رزقه وإن ترك الاضطراب فإن العاجز عن الاضطراب لم يجاوزه رزقه ؛ أما ترى الجنين في بطن أمه لما إن كان عاجزا عن الاضطراب كيف وصل سرته بالأم حتى تنتهي إليه فضلات غذاء الأم بواسطة السرة ولم يكن ذلك بحيلة الجنين ، ثم لما انفصل سلط الحب والشفقة على الأم لتتكفل به شاءت
شرح
( بل الاعتماد على الصبر على الجوع مدة والرضا بالموت إن تأخر الرزق نادرا وملازمة البلاد والأمصار أو ملازمة البوادي التي لا تخلو عن حشيش وما يجري مجراه ؛ فهذه كلها أسباب البقاء ولكن مع نوع من الأذى إذ لا يمكن الاستمرار عليه إلا بالصبر والتوكل في الأمصار أقرب إلى الأسباب من التوكل في البوادي ، وكل ذلك من الأسباب ) فقد روي القشيري بسنده إلى إبراهيم الخواص قال : بينما أسير في البادية فإذا بهاتف يهتف فالتفت إليه فإذا إعرابي فقال لي : يا إبراهيم التوكل عندنا أي في البوادي أقم عندنا حتى يصح توكلك الا تعلم أن رجاءك لدخول بلد فيه أطعمة تحملك اقطع رجاءك عن البلدان وتوكل ، ( إلّا ان الناس عدلوا إلى أسباب هي أفضل منها ، فلم يعدوا تلك أسبابا وذلك لضعف إيمانهم وشدة حرصهم وقلة صبرهم على الأذى في الدنيا لأجل الآخرة واستيلاء الجبن على قلوبهم بإساءة الظن وطول الأمل ) . ومن هنا قال بعضهم في حد التوكل هو إحسان الظن وقصر الأمل ، ( ومن نظر في ملكوت السماوات والأرض انكشف له تحقيقا أن اللّه تعالى دبر الملك والملكوت ) بلطيف حكمته وجميل قدرته ( تدبيرا لا يجاوز العبد رزقه ، وإن ترك الاضطراب ، فإن العاجز عن الاضطراب لم يجاوزه رزقه . أما ترى الجنين في بطن أمه لما كان عاجزا عن الاضطراب ) كيف تولاه المولى بتدبيره في سائر أطواره وقام له في كل ذلك بوجوه إبراره ، فجعله في نطفة مستودعة في الأصلاب ثم قذفها في رحم الأم ، ثم جمع بين النطفتين وألف بينهما ، ثم جعلها بعد النطفة علقة مهيأة لما يريد سبحانه أن ينقلها إليه ، ثم بعد العلقة مضغة ، ثم فتقها صورة وأقام بنيتها ثم نفخ فيها الروح . ( كيف وصل سرته بالأم حتى انتهى إليه فضلات غذاء الأم بواسطة السرة ، ولم يكن ذلك بحيلة الجنين ، فأجرى عليه رزقه قبل أن يخرجه إلى الوجود ) وبقاه في رحم الأم