أم أبت اضطرارا من اللّه تعالى إليه بما أشعل في قلبها من نار الحب ، ثم لما لم يكن له سن يمضغ به الطعام جعل رزقه من اللبن الذي لا يحتاج إلى المضغ ، ولأنه لرخاوة مزاجه كان لا يحتمل الغذاء الكثيف فأدرّ له اللبن اللطيف في ثدي الأم عند انفصاله على حسب حاجته . أفكان هذا بحيلة الطفل أو بحيلة الأم ؟ فإذا صار بحيث يوافقه الغذاء الكثيف أنبت له أسنانا قواطع وطواحين لأجل المضغ ، فإذا كبر واستقل يسر له أسباب التعلم وسلوك سبيل الآخرة فجبنه بعد البلوغ جهل محض . لأنه ما نقصت أسباب معيشته ببلوغه بل زادت ، فإنه لم يكن قادرا على الاكتساب فالآن قد قدر فزادت قدرته ، نعم كان المشفق عليه شخصا واحدا وهي الأم أو الأب وكانت شفقته مفرطة جدا فكان يطعمه ويسقيه في اليوم مرة أو مرتين وكان إطعامه بتسليط اللّه تعالى الحب والشفقة على قلبه ، فكذلك قد سلط اللّه الشفقة والمودة والرقة والرحمة على قلوب المسلمين ، بل أهل
شرح
حتى قويت أعضاؤه واشتدت أركانه إلى البروز إلى ما قسم له أو عليه وليبرزه إلى دار يتعرف فيها بفضله وعدله إليه ( ثم لما انفصل ) نازلا إلى الأرض ( سلط الحب والشفقة على الأم للتكفيل به شاءت أم أبت اضطرارا من اللّه تعالى ) إليه ( بما اشتعل في قلبها من نار الحب ، ثم لما لم يكن له سن يمضغ به الطعام ) ولا رحى يستعين بها على الطحن ( جعل رزقه من اللبن الذي لا يحتاج ) فيه ( إلى المضغ ) والطحن ( ولأنه لرخاوة مزاجه كان لا يحتمل الغذاء الكثيف ) ولا يستطيع تناول خشونات المطاعم ( فادر له اللبن اللطيف في ثدي الأم عند انفصاله بحسب حاجته ، فكان هذا بحيلة الطفل أو بحيلة الأم ) ووكل بالثدي مستحث الرحمة في قلب الأم كلما وقف اللبن عن البروز استحثته الرحمة التي جعلها في الأم مستحثا يفتر ومستنهضا لا يقصر ، فكان هذا بحيلة الطفل أم بحيلة الأم ، ( فإذا صار بحيث يوافقه الغذاء الكثيف أنبت له اسنانا قواطع ) وأرحى ( وطواحين لأجل المضغ ) والطحن على ما سبق بيانه في كتاب الشكر ، أنه شغل الأب والأم بتحصيل مصالحه والرأفة عليه والنظر بعين المودة منهما إليه ، وما هي إلا رأفة ساقها للعباد في مظاهر الآباء والأمهات تعريفا بالوداد وفي حقيقة الأمر ما كلفه إلا ربوبيته وما حضته إلا إلهيته ، ثم ألزم الأب القيام فيه إلى حين البلوغ وأوجب عليه ذلك رأفة منه به ، ( فإذا كبر واشتغل يسر له أسباب التعلم وسلوك سبيل الآخرة فجبنه بعد البلوغ جهل محض لأنه ما نقصت أسباب معيشته ببلوغه بل زادت ، فإنه ) من قبل ( لم يكن قادرا على الاكتساب فالآن قدر فزادت قدرته . نعم كان المشفق عليه شخصا واحدا وهي الأم أو الأب ، وكانت شفقته مفرطة جدا فكان يطعمه ويسقيه في اليوم مرة ومرتين ، وكان إطعامه بتسليط اللّه تعالى الحب والشفقة على قلبه ) وما هي إلا رأفته سبحانه ، ( فكذلك قد سلط اللّه تعالى الشفقة والمودة والرأفة والرحمة على قلوب المسلمين ، بل أهل البلد كافة ) من