تعالى . قال اللّه تعالى :
الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا
[ البقرة : 268 ] فإن الإنسان بطبعه مشغوف بسماع تخويف الشيطان ، ولذلك قيل : الشفيق بسوء الظن مولع ، وإذا انضم إليه الجبن وضعف القلب ومشاهدة المتكلمين على الأسباب الظاهرة والباعثين عليها غلب سوء الظن وبطل التوكل بالكلية ، بل رؤية الرزق من الأسباب الخفية أيضا تبطل التوكل ، فقد حكي عن عابد أنه عكف في مسجد ولم يكن له معلوم ، فقال له الإمام : لو اكتسبت لكان أفضل لك ، فلم يجبه حتى أعاد عليه ثلاثا ، فقال في الرابعة : يهودي في جوار المسجد قد ضمن لي كل يوم رغيفين ، فقال : إن كان صادقا في ضمانه فعكوفك في المسجد خير لك ، فقال : يا هذا لو لم تكن إماما تقف بين يدي اللّه وبين العباد مع هذا النقص في التوحيد كان خيرا لك إذ فضلت وعد يهودي على ضمان اللّه تعالى بالرزق ، وقال إمام المسجد لبعض المصلين : من
شرح
قال اللّه تعالى :الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًافإن الإنسان بطبعه مشغوف بسماع تخويف الشيطان ) بما يوسوس إليه ويلقنه ، ( ولذلك قيل ) في الكلمات السائرة : ( الشفيق بسوء الظن مولع ، وإذا انضم إليه الجبن وضعف القلب ومشاهدة المتكلمين على الأسباب الظاهرة والباعثين عليها غلب سوء الظن ) بشاهد باطل ( وبطل التوكل بالكلية ) لنقصان التوحيد وبطلان الاعتماد والتفويض ، ( بل رؤية الرزق من الأسباب الخفية أيضا تبطل التوكل ) من أصله ، ( فقد حكي عن عابد ) من العباد ( أنه عكف في مسجد ) أي لازم جلوسه فيه فلم يخرج أصلا ( ولم يكن له معلوم ) من رزق يأتيه من جهة معلومة ، ( فقال له الإمام ) الذي يصلي بالناس في ذلك المسجد حين رآه معتكفا : ( لو اكتسبت ) أي خرجت إلى السوق وباشرت الكسب ( لكان أفضل لك ) من عكوفك هنا ، ( فلم يجبه حتى أعاد عليه ثلاثا ، فقال في الرابعة ) : هنا ( يهودي في جوار المسجد قد ضمن لي كل يوم رغيفين ) فهو يأتي إليّ بهما ، ( فقال : إن كان صادقا في ضمانه فعكوفك في المسجد خير لك ) لأجل حصول الاطمئنان ، ( فقال ) العابد للإمام : ( يا هذا لو لم تكن إماما تقف بين يدي اللّه وبين العباد مع هذا النقص في التوحيد كان خيرا لك ، إذ فضلت وعد يهودي على ضمان اللّه تعالى بالرزق ) كذا في القوت .
وأورده ابن عطاء اللّه في التنوير بلفظ : رأى بعضهم رجلا يلازم المسجد ولا يخرج منه فتعجب من ملازمته وفكر في نفسه من أين يأكل ؟ فقال له : من أين تأكل ؟ فقال له : إن لي صاحبا يهوديا وعدني كل يوم رغيفين فهو يأتيني بهما . فقال : أما الآن فنعم ، فقال له ذلك العابد : يا مسكين وثقت لي بوعد يهودي وما وثقت لي بوعد الحق سبحانه وهو الصادق الحق ، وقد قال :وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها[ هود : 6 ] فاستحيا ذلك الرجل وذهب .