إنه خرج من حدّ الزهاد نعني به أن ما وعد للزاهدين في الدار الآخرة من المقامات المحمودة لا يناله ، وإلا فاسم الزهد قد لا يفارقه بالإضافة إلى ما زهد فيه من الفضول والكثرة ، وأمر المنفرد في جميع ذلك أخف من أمر المعيل .
وقد قال أبو سليمان : لا ينبغي أن يرهق الرجل أهله إلى الزهد بل يدعوهم إليه ، فإن أجابوا وإلّا تركهم وفعل بنفسه ما شاء معناه أن التضييق المشروط على الزاهد يخصه ولا يلزمه كل ذلك في عياله ، نعم لا ينبغي أن يجيبهم أيضا فيما يخرج عن حدّ الاعتدال ، وليتعلم من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إذا انصرف من بيت فاطمة رضوان اللّه عليها بسبب ستر وقلبين ، لأن ذلك من الزينة لا من الحاجة ، فإذا ما يضطر الإنسان إليه من جاه ومال ليس بمحذور ، بل الزائد على الحاجة سم قاتل ، والمقتصر على الضرورة دواء نافع ، وما
شرح
هذا من الزهاد ) لفقد وصف التوكل فيه ( وقولنا : إنه خرج عن حدّ الزهاد نعني به أن ما وعد للزاهدين في الدار الآخرة من المقامات المحمودة لا يناله ، وإلا فاسم الزهد قد لا يفارقه بالإضافة إلى ما زهد فيه من الفضول والكثرة ) فإطلاق الزهد عليه بهذا الاعتبار فقط ، وعل الجملة فللزهد مخصوص موعود عند اللّه ، فمتى ما نال منه شيئا أخذ من ذلك الثواب بقسطه ، ( وأمر ) الأعزب ( المنفرد في جميع ذلك أخذ من أمر المعيل ) أي ذي العيال كما قيل :ما للمعالي والمعيل وإنما * يسعى إليهن الفريد القادر( وقد قال أبو سليمان ) الداراني رحمه اللّه تعالى : ( لا ينبغي أن يرهق الرجل أهله ) أي يكلفهم ( إلى الزهد بل يدعوهم إليه فإن أجابوا وإلا تركهم ، وفعل بنفسه ما شاء . معناه أن التضييق المشروط على الزاهد يخصه ولا يلزمه كل ذلك في عياله ) هذا ما فهم من كلامه .
( نعم ، لا ينبغي أن يجيبهم أيضا فيما يخرج عن حدّ الإعتدال ، وليتعلم من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إذا انصرف من بيت فاطمة رضي اللّه عنها بسبب ستر ) كانت علقته في ناحية البيت ( وقلبين ) في يدها أو يد الحسن أو الحسين كما تقدم الكلام عليه قريبا ، ( لأن ذلك من الزينة لا من الحاجة ) ، وكذلك لما تزينت أم سلمة بخرص من ذهب جعلته في أذنها قالت : فلما دخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم رفعت قناعي عن أذني رجاء أن ينظر إلى زينتي قالت : فأعرض ولم يلتفت فقلت :
يا رسول اللّه إنما تزينت لك . فقال : « عن زينتك اعرض ما ضرك لو جعلتيه من فضة ثم لطختيه بالزعفران فكان كأنه ذهب » فأمرها بفعل من لا يحب الدنيا لعينها ، وإنما يدخل فيها الظاهر مرافقها لأن الفضة والزعفران وإن أشبهت الذهب في اللون فإنما هو متاع في الوقت لأن لها قيمة الذهب وقدره لا وجود حلاوته في قنيته ، فكذلك حال الزاهد في حلاوة الدنيا لعينها فيستعمل الدنيا فيما قرب ودنا ويبدل دقيقا منها ذا قيمة بيسير دونه ، ( فإذا ما يضطر الإنسان إليه من جاه ومال ليس بمحذور ، بل الزائد على الحاجة سم قاتل والمقصر على الضرورة دواء نافع