اشتغاله بالدين والعبادة يمهد له من المحل في القلوب ما يدفع به عند الأذى ولو كان بين الكفار ، فكيف بين المسلمين ؟ فأما التوهمات والتقديرات التي تحوج إلى زيادة في الجاه على الحاصل بغير كسب فهي أوهام كاذبة ، إذ من طلب الجاه أيضا لم يخل عن أذى في بعض الأحوال فعلاج ذلك بالاحتمال والصبر أولى من علاجه بطلب الجاه ، فإذا طلب المحل في القلوب لا رخصة فيه أصلا واليسير منه داع إلى الكثير ، وضراوته أشد من ضراوة الخمر فليحترز من قليله وكثيره .
وأما المال ؛ فهو ضروري في المعيشة أعني القليل منه ، فإن كان كسوبا فإذا اكتسب حاجة يومه فينبغي أن يترك الكسب . كان بعضهم إذا اكتسب حبتين رفع سفطه وقام ، هذا شرط الزهد ، فإن جاوز ذلك إلى ما يكفيه أكثر من سنة فقد خرج عن حدّ ضعفاء الزهاد وأقويائهم جميعا ، وإن كانت له ضيعة ولم يكن له قوّة يقين في التوكل فأمسك منها مقدار ما يكفي ريعه لسنة واحدة فلا يخرج بهذا القدر عن الزهد بشرط أن يتصدق بكل ما يفضل عن كفاية سنته ، ولكن يكون من ضعفاء الزهاد فإن شرط التوكل في الزهد كما شرطه أويس القرني رحمه اللّه فلا يكون هذا من الزهاد . وقولنا :
شرح
يسعى ( لطلب المحل في القلوب ) أصلا ، ( فإن اشتغاله بالدين والعبادة ) من ذكر ومراقبة وعزلة ( يمهد له من المحل في القلوب ما يدفع عنه به الأذى ، ولو كان بين ) أظهر ( الكفار ، فكيف بين المسلمين ؟ وأما التوهمات والتقديرات التي تحوج إلى زيادة في الجاه على الحاصل بغير كسب ، فهي أوهام كاذبة ) وتقديرات باطلة ، ( إذ من طلب الجاه أيضا لم يخل عن أذى في بعض الأحوال ، فعلاج ذلك بالاحتمال والصبر أولى من علاجه بطلب الجاه ، فإذا طلب المحل في القلوب لا رخصة فيه أصلا واليسير منه داع إلى الكثير وضرواته أشد من ضراوة الخمر ) في عسر الإنفكاك منه ، ( فليحترز من قليله وكثيره ) .
( وأما المال : فهو ضروري في المعيشة أعني القليل منه ، فإنه كان كسوبا فإذا اكتسب حاجة يومه ) مما يكتفي به ، ( فينبغي أن يترك الكسب ) في ذلك اليوم . ( كان بعضهم ) أي من المتكسبين الزاهدين ( إذا اكتسب حبتين رفع سفطه وقام ) والسفط محرك وعاء المتاع ( هذا شرط الزاهد ، فإن جاوز ذلك إلى ما يكفيه أكثر من سنة فقد خرج عن حدّ ضعفاء الزهاد وأقويائهم جميعا ، وإن كانت له ضيعة ) مثل أرض يستغلها ( ولم تكن له قوة يقين في التوكل فأمسك منها مقدار ما يكفي ريعه ) وهو ما يفيض من غلال الضيعة ( لسنة واحدة فلا يخرج بهذا المقدار عن الزهد بشرط أن يتصدق بكل ما يفضل عن كفاية سنة ، ولكن يكون من ضعفاء الزهاد ) لا من أقويائهم ، ( فإن شرط التوكل في الزهد ) بأن لا يكمل إلا به ( كما شرطه أويس القرني ) رحمه اللّه تعالى فيما فهم من كلامه السابق ذكره ، ( فلا يكون