يرى لنفسه يدا عند الملك بلقمة خبز ألقاها إلى كلبه في مقابلة ما قد ناله ؟ فالشيطان كلب على باب اللّه تعالى يمنع الناس من الدخول مع أن الباب مفتوح والحجاب مرفوع ، والدنيا كلقمة خبز إن أكلت فلذتها في حال المضغ وتنقضي على القرب بالابتلاع ، ثم يبقى ثقلها في المعدة ، ثم تنتهي إلى النتن والقذر ، ثم يحتاج بعد ذلك إلى إخراج ذلك الثفل فمن تركها لينال عز الملك كيف يلتفت إليها . ونسبة الدنيا كلها أعني ما يسلم لكل شخص منها وإن عمّر مائة سنة بالإضافة إلى نعيم الآخرة أقل من لقمة بالإضافة إلى ملك الدنيا ، إذ لا نسبة للمتناهي إلى ما لا نهاية له ، والدنيا متناهية على القرب ، ولو كانت تتمادى ألف ألف سنة صافية عن كل كدر لكان لا نسبة لها إلى نعيم الأبد ، فكيف ومدة العمر قصيرة ولذات الدنيا مكدرة غير صافية ، فأي نسبة لها إلى نعيم الأبد ، فإذا إلا يلتفت الزاهد إلى زهده إلا إذا التفت إلى ما زهد فيه ، ولا يلتفت إلى ما زهد فيه إلّا لأنه يراه شيئا معتدا به ، ولا يراه شيئا معتدا به إلا لقصور معرفته ، فسبب نقصان الزهد نقصان المعرفة ، فهذا تفاوت درجات الزهد ، وكل درجة من هذه أيضا لها درجات ، إذ تصبر المتزهد يختلف ويتفاوت أيضا باختلاف قدر المشقة في الصبر ، وكذلك درجة المعجب بزهده بقدر التفاته إلى زهده .
شرح
مقابلة ما قد ناله ) من القرب ؟ ( فالشيطان كلب ) جاثم ( على باب اللّه تعالى يمنع الناس من الدخول ، مع أن الباب مفتوح والحجاب مرفوع ) والإذن حاصل ، ( والدنيا ) بأسرها ( كلقمة خبز إن أكلت فلذتها في حال المضغ ) فقط ( وتنقضي ) تلك اللذة ( على القرب بالابتلاع ، ثم يبقى ثفلها في المعدة ، ثم ينتهي إلى النتن والقذر ، ثم يحتاج بعد ذلك إلى إخراج ذلك الثفل ) من كل وجه ولو بعلاج ، ( فمن تركها لينال عز الملك كيف يلتفت إليها ؟
ونسبة الدنيا كلها أعني ما يسلم منها لكل شخص منها وإن عمر مائة سنة بالإضافة إلى نعيم الآخرة أقل من لقمة بالإضافة إلى ملك الدنيا ، إذ لا نسبة للمتناهي إلى ما لا نهاية له ، والدنيا متناهية على القرب ولو كانت تتمادى ألف ألف سنة صافية عن كل كدر لكان لا نسبة لها إلى نعين الأبد ) بوجه من الوجوه ، ( فكيف ومدة العمر قصيرة ولذات الدنيا مكدرة غير صافية ، فأي نسبة لها إلى نعيم الأبد ؟ فهذا تفاوت درجات الزهد وكل درجة من هذه لها أيضا درجات إذ تصبر المتزهد يختلف ويتفاوت أيضا باختلاف قدر المشقة في الصبر ، وكذلك درجة المعجب بزهده بقدر التفاته إلى زهده ) .
ثم اعلم أن المصنف رحمه اللّه تعالى ذكر للزاهد ثلاث درجات وهي أحواله في بدايته وبقيت عليه درجتان ، فالمجموع خمسة .