والمتزهد على خطر ، فإنه ربما تغلبه نفسه وتجذبه شهوته فيعود إلى الدنيا وإلى الاستراحة بها في قليل أو كثير .
الدرجة الثانية : الذي يترك الدنيا طوعا لاستحقاره إياها بالإضافة إلى ما طمع فيه ، كالذي يترك درهما لأجل درهمين ، فإنه لا يشق عليه ذلك وإن كان يحتاج إلى انتظار قليل ، ولكن هذا الزاهد يرى لا محالة زهده ويلتفت إليه ، كما يرى البائع المبيع ويلتفت إليه فيكاد يكون معجبا بنفسه ويزهده ، ويظن في نفسه أنه ترك شيئا له قدر لما هو أعظم قدرا منه وهذا أيضا نقصان .
الدرجة الثالثة : وهي العليا ؛ أن يزهد طوعا ويزهد في زهده فلا يرى زهده ؛ إذ لا يرى أنه ترك شيئا ، إذ عرف أن الدنيا لا شيء فيكون كمن ترك خزفة وأخذ جوهرة ، فلا يرى ذلك معاوضة ، ولا يرى نفسه تاركا شيئا ، والدنيا بالإضافة إلى اللّه تعالى ونعيم الآخرة أخس من خزفة بالإضافة إلى جوهرة ، فهذا هو الكمال في الزهد .
شرح
القشيري . ( والمتزهد على خطر ) لا يأمن على حاله ، ( فإنه ربما تغلبه نفسه وتجذبه شهوته فيعود إلى الدنيا والاستراحة بها في قليل أو كثير ) .
( الدرجة الثانية : الذي يترك الدنيا طوعا ) أي اختيارا وجعله طاعة مع القدرة ( لاستحقاره إياها بالإضافة إلى ما طمع فيه كالذي يترك درهما لأجل ) تحصيل ( درهمين ، فإنه لا يشق عليه ذلك وإن كان يحتاج إلى انتظار قليل ، ولكن هذا الزاهد يرى لا محالة زهده ويلتفت إليه ) لأنه ترك شيئا لشيء ، ( كما يرى البائع المبيع ويلتفت إليه فيكاد يكون معجبا بنفسه وبزهده ، ويظن أنه ترك شيئا له قدر لما هو أعظم قدرا منه وهذا أيضا نقصان ) .
( الدرجة الثالثة : وهي العليا ) منها ( أن يزهد طوعا ) أي اختيارا ( ويزهد في زهده ، فلا يرى زهده إذ لا يرى أنه ترك شيئا إذ عرف أن الدنيا لا شيء ) في الحقيقة ، كما ورد في الخبر : إن اللّه تعالى يقول للدنيا يوم القيامة اسكتي يا لا شيء » ( فيكون كمن ترك خزفة وأخذ جوهرة فلا يرى ذلك معاوضة ولا يرى نفسه تاركا شيئا ) كما قال بعض الزاهدين لبعض العارفين : لم يبق عليّ من الدنيا إلّا مصّ النوى ، فهذا يرى هذا بعيدا عن الرغبة فقال : يا هذا نظرك إلى مص النوى لزهدك هو بقية من الدنيا أراد منه نسيان ذلك بالزهد في زهده على ترك النظر إلى وصفه لما يستغرقه في الجريان عليه ، فلا يبقى بغير مجريه ويكون بحكم المجرى فيه ، فهذا مقام فوق الزهد متصل بغيره من القرب المصطلح . ( والدنيا بالإضافة إلى اللّه تعالى ونعيم الآخرة أخس من خزفة بالإضافة إلى جوهرة ، فهذا هو الكمال في الزهد وسببه كمال