تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 664

مساهمون:

ص٦٦٤
وسببه كمال المعرفة ، ومثل هذا الزهد آمن من خطر الالتفات إلى الدنيا ، كما أن تارك الخزفة بالجوهرة آمن من طلب الإقالة في البيع . قال أبو يزيد رحمه اللّه تعالى لأبي موسى عبد الرحيم : في أي شيء تتكلم ؟ قال : في الزهد ، قال : في أي شيء ؟ قال : في الدنيا . فنفض يده وقال : ظننت أنه يتكلم في شيء الدنيا لا شيء ، إيش يزهد فيها . ومثل من ترك الدنيا للآخرة عند أهل المعرفة وأرباب القلوب المعمورة بالمشاهدات والمكاشفات مثل من منعه من باب الملك كلب على بابه فألقى إليه لقمة من خبز فشغله بنفسه ودخل الباب ونال القرب عند الملك حتى نفذ أمره في جميع مملكته ، أفترى أنه
شرح
المعرفة ) وإنما تتفاوت مراتب الزهد بتفاوت المعرفة ، ( ومثل هذا الزاهد آمن من خطر الالتفات إلى الدنيا ، كما أن تارك الخزفة بالجوهرة آمن من طلب الإقالة في البيع ) وفي القوت ، وقال أبو سعيد بن الإعرابي عن أشياخه : إنما الزهد عندهم خروج قدر الدنيا من القلب إذ هي لا شيء ، وهذا لعمري هو الزهد في الزهد لأنه زهد ، ثم لم ينظر إلى زهده فزهد فيه إذا لم بره شيئا لأنه زهد في لا شيء ، وهذا يشبه ما يقال : إن حقيقة الزهد هو الزهد في النفس لأنه قد يزهد في الدنيا لنفسه طلبا للعوض ، فيكون ذلك رغبة على صفة ، فإذا زهد في النفس التي يريد لها الأعواض على الزهد فهو حقيقة الزهد ، وهو يشبه قول من قال : إن حقيقة الزهد في الغنى هو الزهد في البقاء لأن العبد ربما زهد في الغنى ولم يزهد في البقاء ، فيكون فيه بقية من الرغبة ، فإذا زهد في البقاء فهو حقيقة الزهد في الغنى ، إذ كان الغنى يراد للبقاء وإذ لا متعة بالبقاء بغير غنى . ( قال أبو يزيد ) البسطامي وهو من أعلى الطوائف إشارة وأغلقهم عبارة ( لأبي موسى ) هارون بن سليمان الكوفي مولى عمرو بن حريث المخزومي ، روى له أبو داود والترمذي والنسائي ( عبد الرحيم ) بن يحيى الأسود الأرموي الدمشقي : ( في أي شيء تتكلم ؟ قال ) فقلت : ( في الزهد . قال ) أبو يزيد ( في أي شيء ؟ قال ) فقلت : ( في الدنيا ، فنفض يده ) وأعرض ( وقال : ظننت أنه يتكلم في شيء . الدنيا لا شيء إيش يزهد فيها ؟ ) أورده صاحب القوت ولفظه ، ثم قال : يتكلم بالزهد في لا شيء ، وأي شيء الدنيا حتى تذكر بالزهد فيها ؟ ثم قال : وكانت رابعة رحمها اللّه تعالى من قبله إذا ذكر جلساؤها الدنيا تقول : نوهتم بالدنيا إذ تذكرونها أي قدر لها حتى نقطع الوقت بذكرها ، ولكن من أحب شيئا أكثر من ذكره . ( ومثل من ترك الدنيا للآخرة عند أهل المعرفة وأرباب القلوب المعمورة بالمشاهدات ) العيانية ( والمكاشفات ) الربانية ( مثل من منعه من باب الملك كلب ) جاثم ( على بابه ، فألقى إليه لقمة من خبز فشغله ) بها ، ( ودخل الباب ونال القرب ) والاتصال ( من الملك حتى نفذ أمره في جميع مملكته . افترى أنه يرى لنفسه يدا عند الملك بلقمة خبز ألقاها إلى كلبه في