تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 591

مساهمون:

ص٥٩١
الحاجة هذه الثلاث مثاب ، وفيما زاد عليه إن لم تعص اللّه متعرض للحساب ، وإن عصيت اللّه فأنت متعرض للعقاب . ومن الاختبار أيضا : أن تعزم على ترك لذة من اللذات تقربا إلى اللّه تعالى وكسرا لصفة النفس فتأتيك عفوا صفوا لتمتحن بها قوّة عقلك ، فالأولى الامتناع عنها فإن النفس إذا رخص لها في نقض العزم ألفت نقض العهد وعادت لعادتها ولا يمكن قهرها ، فرد ذلك مهم وهو الزهد ، فإن أخذته وصرفته إلى محتاج فهو غاية الزهد ، ولا يقدر عليه إلا الصديقون . وأما إذا كان حالك السخاء والبذل والتكفل بحقوق الفقراء وتعهد جماعة من الصلحاء فخذ ما زاد على حاجتك فإنه غير زائد على حاجة الفقراء ، وبادر به إلى الصرف إليهم ولا تدّخره ، فإن إمساكه ولو ليلة واحدة فيه فتنة واختبار ، فربما يحلو في قلبك فتمسكه فيكون فتنة عليك .
شرح
يكنه ) من الحر والبرد ( فما زاد فهو حساب » ) قال العراقي : رواه الترمذي من حديث عثمان بن عفان إلا أنه قال : وجلف الخبز والماء بدل قوله طعام يقيم صلبه وقال صحيح انتهى . قلت : لفظه في جامعه : « ليس لابن آدم حق فيما سوى هذه الخصال بيت يسكنه وثوب يواري عورته وجلف الخبز والماء » وقال حسن صحيح ، وهكذا رواه ابنه عبد بن حميد والحاكم والضياء . وروى ابن النجار من حديث ثوبان : « يكفيك من الدنيا ما سد جوعتك ووارى عورتك فإن كان لك شيء يظلك فذاك وإن كانت لك دابة تركبها فبخ » ( فإذا أنت في أخذ قدر الحاجة من هذه الثلاث مثاب ) لأن لك فيها حقا وقد أذن لك اللّه في أخذها ، ( وفيما زاد عليه إن لم تعص اللّه متعرض للحساب ) فيم أخذته وفيم صرفته ، ( وإن عصيت اللّه فأنت متعرض للعقاب ) فهذا معنى قوله : « حلالها حساب وحرامها عقاب » . ( ومن الاختبار أيضا : أن تعزم على ترك لذة من اللذات ) الدنيوية ( تقربا إلى اللّه تعالى وكسرا لصفة النفس ) أي لثورتها ( فتأتيك ) تلك اللذة ( عفوا صفوا ) من غير تبعة ولا كدورة ( ليمتحن بها قوة عقلك ) هل تلابسها أو تتركها ، ( فالأولى الامتناع عنها فإن النفس إذ رخص لها في نقض العزم ألفت نقض العهد وعادت لعادتها ) القديمة ( وصرفته إلى محتاج ) سرا ( فهو غاية الزهد ) ويسمى زهد الزهد ، ( ولا يقدر عليه إلا الصديقون ) من الزاهدين وقد أشرنا إلى ذلك في أول الفصل . ( وإما إذا كان حالك السخاء والبذل والتكفل بحقوق الفقراء وتعهد جماعة من الصلحاء ) بالخدمة وقضاء الحوائج ( فخذ ما زاد على حاجتك فإنه غير زائد على حاجة الفقراء ) إذ حاجاتهم كثيرة ( وبادر به إلى الصرف إليهم ولا تدخر لغد فإن إمساكه ولو ليلة واحدة فيه فتنة واختبار ) من اللّه تعالى ، ( فربما يحلو في قلبك فتمسكه ويكون فتنة عليك ) إلا لأمر ضروري لا بد منه .