تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 589

مساهمون:

ص٥٨٩
هل الأفضل إظهار الأخذ أو اخفاؤه في كتاب أسرار الزكاة مع جملة من أحكام الفقر فليطلب من موضعه . وأما امتناع أحمد بن حنبل عن قبول عطاء سري السقطي رحمهما اللّه ، فإنما كان لاستغنائه عنه ، إذ كان عنده قوت شهر ولم يرض لنفسه أن يشتغل بأخذه ، وصرفه إلى غيره ، فإن في ذلك آفات وأخطارا ، والورع يكون حذرا من مظان الآفات ، إذ لم يأمن مكيدة الشيطان على نفسه . وقال بعض المجاورين بمكة : كانت عندي دراهم أعددتها للإنفاق في سبيل اللّه ، فسمعت فقيرا قد فرغ من طوافه وهو يقول بصوت خفي ، أنا جائع كما ترى عريان كما ترى ، فما ترى فيما ترى يا من يرى
شرح
وعدم تولي صرفه بنفسه ، وتركه سرا كذلك أو أخذه علانية وتولى صرفه بنفسه وأخذه سرا وتولى صرفه بنفسه فهي أربع مقامات . فإذا أضيفت إلى المقامين الأولين صارت ستة ، والأخذ في العلانية والإخراج فيها أيضا هو مقام المقربين لأنهم لا يشهدون مع اللّه غير اللّه لأن كل ما سوى اللّه من اللّه وباللّه وللّه وإلى اللّه فلا غير حينئذ ، لأن الغير هو المضاهي الظاهر ولو كان فيهما آلهة إلا اللّه لفسدتا . ومن شاهد الوجود على ما وصفنا انتفت عنه الآفات الداخلة على غيره من العمال ، وهذا لا يخفى في الأخذ والعطاء تخوفا على نفسه لا لأجل المعطي والآخذ لأن من المتصدقين من يقصد إظهار الصدقة ونشرها فلا يعان على قصده ، ومن المتصدق عليهم من يشتهي ستر حاله فيعان فليه لأن ستر حال المؤمن واجب ، وأما الأخذ في السر فهو مقام الصالحين من الزاهدين فإن سلم من آفاته . ومن آفاته خوف الجاه وإسقاط المنزلة من القلوب والنظر إليه بعين الرغبة والحسد في أن يرى المعطي بعين الإحسان وأما الأخذ في السر والإخراج في العلانية فإن سلم من الآفات التي ذكرت في الإخفاء ومن آفة الرياء في الإخراج فهو على خير والسلامة في مثل هذه الحالة بعيدة . وأما من يأخذ سرا ولا يخرج سرا ولا علانية ، فهذا الذي يأكل الدنيا بالدين . نسأل اللّه أن يعيذنا من شره فإنه إذا مات فضح أهل الطريق . ( وقد ذكرنا هل الأفضل إظهار الأخذ وإخفاؤه في كتاب أسرار الزكاة مع جملة من أحكام الفقر فليطلب من موضعه ، وأما امتناع أحمد عن قبول عطاء سري السقطي رحمهما اللّه تعالى فإنما كان لاستغنائه عنه إذ كان عنده قوت شهر ولم ير لنفسه أن يشتغل بأخذه وصرفه إلى غيره ، فإن في ذلك آفات وأخطارا ) أعظمها الاشتغال بغير اللّه تعالى ( والورع ) من شأنه ( يكون حذرا من مظان الأخطار ) وفي نسخة الآفات فيجتنب عنها ( إذا لم يأمن مكيدة الشيطان على نفسه ) ومن يكون في الورع مثل أحمد رحمه اللّه تعالى . ( وقال بعض المجاورين بمكة : كانت عندي دراهم أعددتها للإنفاق في سبيل اللّه فسمعت ) مرة ( فقيرا قد فرغ من طوافه ) . وصلاته وتعلق بأستار الكعبة ( وهو يقول بصوت خفي ) : يا رب إني ( جائع كما ترى ) يا رب إني ( عريان كما ترى فما ترى فيما ترى يا من يرى ولا يرى ) قيل :
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 589 | مرتضى الزبيدي