وأما غرضه في الأخذ فينبغي أن ينظر : أهو محتاج إليه فيما لا بدّ له منه أو هو مستغن عنه ، فإن كان محتاجا إليه وقد سلم من الشبهة والآفات التي ذكرناها في المعطي فالأفضل له الأخذ ، قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « ما المعطي من سعة بأعظم أجرا من الآخذ إذا كان محتاجا » ، وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « من أتاه شيء من هذا المال من غير مسألة ولا استشراف فإنما هو رزق ساقه اللّه إليه » ، وفي لفظ آخر : « فلا يرده » . وقال بعض العلماء : من أعطى ولم يأخذ سأل ولم يعط . وقد كان سري السقطي يوصل إلى أحمد بن حنبل رحمة اللّه عليهما شيئا فرده مرة ، فقال له السري : يا أحمد ، إحذر آفة الرد فإنها أشد من آفة الأخذ ، فقال أحمد : أعد عليّ ما قلت ! فأعاده ، فقال أحمد : ما رددت عليك إلا لأن
شرح
( وأما غرضه ) أي الفقير ( في الأخذ فينبغي أن ينظر أهو محتاج إليه فيما لا بدّ منه أو هو مستغن عنه ، فإن كان محتاجا وقد سلم من الشبهة والآفات التي ذكرناها في المعطي ) ومن استشراف النفس ( فالأفضل له الأخذ ) فإن رد ذلك عوقب باستشراف نفس أو طمع أو أخذ شبهة . ( قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « ما المعطي من سعة بأعظم أجرا من الآخذ إذا كان محتاجا إليه » ) رواه الطبراني من حديث ابن عمر وقد تقدم في كتاب الزكاة . وفي لفظ « ما الذي يعطي من سعة بأعظم أجرا من الذي يقبل من حاجة » رواه صاحب الحلية من حديث أنس . ( وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « من أتاه شيء من هذا المال من غير مسألة ولا استشراف فإنما هو رزق ساقه اللّه إليه » وفي لفظ آخر « فلا يرده » ) قال العراقي : روى أحمد وأبو يعلى والطبراني بإسناد جيد من حديث خالد بن عدي الجهني « من بلغه معروف من أخيه من غير مسألة ولا إشراف نفس فليقبله ولا يرده فإنما هو رزق ساقه اللّه عز وجل إليه » ولأحمد وأبي داود الطيالسي من حديث أبي هريرة « من آتاه اللّه من هذا المال شيئا من غير أن يسأله فليقبله » الحديث . وفي الصحيحين من حديث عمر : « ما اتاك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه » الحديث انتهى .
قلت : حديث خالد بن عدي الجهني رواه كذلك ابن أبي شيبة وابن سعد وابن حبان والباوردي والحكيم وأبو نعيم والبيهقي والضياء بلفظ : « ما جاءه عن أخيه معروف » والباقي سواء .
قال البغوي : لا أعلم له غيره . ويروى من حديث زيد بن خالد الجهني نحوه ، رواه كذلك ابن حبان والحاكم وحديث أبي هريرة تمامه بعد قوله فلقبله فإنما هو رزق ساقه اللّه . وتمام حديث عمر فخذه وتموّله وما لا فلا تتبعه نفسك ، وقد رواه كذلك النسائي ، ورواه أحمد والطبراني من حديث أبي الدرداء نحوه ، ثم أشار المصنف إلى آفات الرد وعقوباته فقال :
( وقال بعض العلماء : من أعطى ولم يأخذ سأل ولم يعط ، وقد كان سري السقطي ) رحمه اللّه تعالى ( يوصل إلى ) الإمام ( أحمد بن حنبل ) رحمه اللّه تعالى ( شيئا ) من باب الهدية ( فرده مرة ) ولم يأخذه ( فقال له السري : يا أحمد احذر آفة الرد فإنها أشد من آفة الأخذ . فقال له أحمد : أعد عليّ ما قلت فأعاده ) ما قال ( فقال أحمد : ما رددت عليك إلا ) أنه ( عندي