تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 532

مساهمون:

ص٥٣٢
وأمتني مسكينا » إذ فقر المضطر هو الذي استعاذ منه ، والفقر الذي هو الاعتراف بالمسكنة والذلة والافتقار إلى اللّه تعالى هو الذي سأله في دعائه صلّى اللّه عليه وسلم وعلى كل عبد مصطفى من أهل الأرض والسماء .
شرح
وقد تقدم في ذم الغضب ( لا يناقض قوله ) صلّى اللّه عليه وسلم : ( « اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا » ) واحشرني في زمرة المساكين » رواه عبد بن حميد ، وابن ماجة من حديث أبي سعيد ، والشيرازي في الألقاب من حديث بن عباس ، والبيهقي في الشعب ، وتمام ، والطبراني ، وابن عساكر ، والضياء من حديث عبادة بن الصامت . ورواه الترمذي وحسنه والبيهقي من حديث أنس بزيادة « يوم القيامة » . ورواه ابن الجوزي في الموضوعات فأخطأ . ورواه الحاكم من حديث أبي سعيد بزيادة « وإن أشقى الأشقياء من اجتمع عليه فقر الدنيا وعذاب الآخرة » . وعند ابن عدي والبيهقي بلفظ « اللهم توفني فقيرا ولا توفّني غنيا واحشرني في زمر المساكين فإن أشقى الأشقياء » الخ . ( إذ فقر المضطر هو الذي استعاذ منه والفقر الذي هو الاعتراف بالمسكنة والذلة والافتقار إلى اللّه تعالى هو الذي سأله في دعائه صلّى اللّه عليه وسلم وعلى كل عبد مصطفى من أهل الأرض والسماء ) وإلى هذا المعنى يشير كلام المشايخ كما سيأتي ذلك مفرقا في سياق المصنف ، وهذا الذي يشيرون إليه لا تنافيه الجدة ولا الأملاك ، فقد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأنبياؤه عليهم السلام في ذروة الفقر مع جدتهم وملكهم كإبراهيم عليه السلام كان يكنى أبا الضيفان ، وكانت الأموال والمواشي ، وكذلك كان سليمان وداود عليهما السلام ، وكذلك كان نبينا صلّى اللّه عليه وسلم . قال تعالىوَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى[ الضحى : 8 ] وكانوا أغنياء في فقرهم فقراء في غناهم . ثم اعلم أن الفقر الذي هو خلو اليد من المال وسيلة التبتل والانقطاع وهما الوسيلة إلى الغنى باللّه تعالى وهو تعلق القلب به ، والغنى باللّه وسيلة إلى تجريده عما سوى الحق من اعراض وأغراض بل نفس وحال ، فالتجريد على ثلاث درجات . الأولى تجريد عين الكشف عن نسب اليقين ، وذلك أن اليقين مكسوب في البداية وموهوب في النهاية فالتجريد إرتقاء العبد من المكسوب إلى الموهوب . الثانية : تجريد الجمع عن درك العلم لأن العالم بالسكر ليس بسكران ، فهذا حذر من أن يكون عنده علم الحال لا غيبه . الثالثة : تجريد إخلاص عن شهود التجريد ومقصوده بذلك تجريده عن رؤية تجريده ، وهذا التقسيم لصاحب منازل السائرين ولا يجب من ذلك الاعتقاد تجريد القدم عن الحدث ويستحب علمه وما ذكرنا هو قربة ومعرفة ومستعان بالنظر إلى السلب مثلقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ[ الإخلاص : 1 ]لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ[ الشورى : 11 ] وما كنت متخذ المضلين عضدا وما أشبه هذا واللّه أعلم .