تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 530

مساهمون:

ص٥٣٠
أن ينقل عمن خاف أن لو أخذه أن يخدعه المال ويقيد قلبه فيدعوه إلى الشهوات ، وهذا حال الضعفاء فلا جرم البغض للمال والهرب منه في حقهم كمال وهذا حكم جميع الخلق ، لأن كلهم ضعفاء إلا الأنبياء والأولياء ، وأما أن ينقل عن قوي بلغ الكمال ولكن أظهر الفرار والنفار نزولا إلى درجة الضعفاء ليقتدوا به في الترك ، إذ لو اقتدوا به في الأخذ لهلكوا كما يفر الرجل المعزم بين يدي أولاده من الحية لا لضعفه عن أخذها ولكن لعلمه أنه لو أخذها أخذها أولاده إذا رأوها فيهلكون ، والسير بسير الضعفاء ضرورة الأنبياء والأولياء والعلماء ، فقد عرفت إذا أن المراتب ست وأعلاها رتبة المستغني ثم الزاهد ثم
شرح
بمال من البحرين فسمعت الأنصار قدومه الحديث . ولهما من حديث جابر : لو جاءنا مال البحرين أعطيتك هكذا ثلاثا ، فلم يقدم حتى توفي النبي صلّى اللّه عليه وسلم فأمر أبو بكر مناديا فنادى : من كان له على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عدة أو دين فليأتنا . فقلت : إن النبي صلّى اللّه عليه وسلم وعدني فحثا لي ثلاثا انتهى . قلت : وأما سيرة عمر رضي اللّه عنه : فقد روى سليمان بن المغيرة ، حدثنا حميد بن هلال ، حدثنا زهير بن حيان قال : قال ابن عباس : دعاني عمر فأتيته فإذا بين يديه نطع عليه الذهب منثور فقال : فأقسم هذا بين قومك واللّه أعلم حيث روى هذا عن نبيه وعن أبي بكر لخير أم لشر . قال : فأكبيت عليه أقسم وأزيل قال : فسمعت بكاء ، وإذا صوت عمر يبكي ويقول في بكائه : كلا والذي نفسي بيده ما حبسه عن نبيه وعن أبي بكر إرادة الشر لهما وأعطاه عمر إرادة الخير له . وقال سعيد بن عامر الضبعي ، قال محمد بن عمرو ، حدثنا أبو سلمة عن أبي هريرة قال : قدمت من البحرين فلقيت عمر فسألني عن الناس فأخبرته ، ثم قال : بم جئت ؟ قلت : جئت بخمسمائة ألف . قال : ويحك هل تدري ما تقول ؟ قلت : نعم . قال : إرجع فنم فإنك ناعس . قال : فأصبحت فأتيته ، فقال : ما ذا جئت به ؟ قلت : خمسمائة ألف ، فصعد المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال : قد جاءنا مال كثير فإن شئتم أن نكيلكم كيلا وإن شئتم أن نعد عدا . ( وما ينقل عنهم من امتناع فإما أن ينقل عمن يخاف أن لو أخذه أن يخدعه المال ) ويزيله عن مقامه ( ويقيد قلبه فيدعوه إلى الشهوات ) النفسية ، ( وهذا حال الضعفاء فلا جرم البغض للمال والهرب منه في حقه كمال ، وهذا حكم جميع الخلق لأنهم كلهم ضعفاء إلا الأنبياء ) عليهم السلام ( والأولياء ) من بعدهم ، ( وأما أن ينقل عن قوي بلغ ) رتبة ( الكمال ، ولكن أظهر الفرار والنفار نزولا ) منه ( إلى درجة الضعفاء ليقتدوا به في الترك إذ لو اقتدوا به في الأخذ لهلكوا ) ، وهذا ( كما يفر الرجل بين يدي أولاده من الحية لا لضعفه عن أخذها ، ولكن لعلمه أنه لو أخذها أخذها أولاده إذا رأوها فيهلكوا ، والسير بسير الضعفاء ضرورة الأنبياء والأولياء والعلماء ) إذ هم القدوة ، ( فقد عرفت أن المراتب إذا ست وأن أعلاها رتبة المستغني ) بالمعنى الذي ذكره المصنف اصطلاحا منه ، ( ثم