تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 529

مساهمون:

ص٥٢٩
أخذها ، قال أبو سليمان : هذا من ضعف قلوب الصوفية قد زهد في الدنيا ما غلبه من أخذها فبين أن كراهية كون الركوة في بيته التفات إليها سببه الضعف والنقصان . فإن قلت : فما بال الأنبياء والأولياء هربوا من المال ونفروا منه كل النفار ؟ فأقول : كما هربوا من الماء على معنى أنهم ما شربوا أكثر من حاجتهم ففروا عما وراءه ولم يجمعوه في القرب والزوايا يدبرونه مع أنفسهم بل تركوه في الأنهار والآبار والبراري للمحتاجين إليه ، لا أنهم كانت قلوبهم مشغولة بحبه أو بغضه وقد حملت خزائن الأرض إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وإلى أبي بكر وعمر رضي اللّه عنهما فأخذوها ووضعوها في مواضعها وما هربوا منها إذ كان يستوي عندهم المال والماء والذهب والحجر ، وما نقل عنهم من امتناع ، فأما
شرح
نبهان الجرمي قال : قدمت من مكة فأهديت إلى مالك بن دينار ركوة قال : وكانت عنده قال : فجئت يوما فجلست في مجلسه فقال : يا حارث بن نبهان تعال فخذ تلك الركوة فقد شغلت على قلبي إني إذا دخلت المسجد جاءني الشيطان فقال لي : يا مالك إن الركوة قد سرقت فقد شغلت علي قلبي . ورواه أبو نعيم في الحلية من طريقه . ( قال أبو سليمان ) رحمه اللّه تعالى : ( هذا من ضعف قلوب الصوفية ) هو ( قد زهد في الدنيا ما عليه من أخذها فبين أن كراهية كون الركوة في بيته التفات إليها سببه الضعف والنقصان ) في المقام إذ كماله أن لا يبالي من أخذ متاع الدنيا . ولفظ القوت : فأراد أبو سليمان منه حقيقة الرضا بجريان الأحكام ، وأراد مالك من نفسه حقيقة الزهد بأن يصرف عن قلبه الاهتمام ، وسيأتي في كتاب التوكل له مزيد بيان . ( فان قلت : فما بال الأنبياء ) عليهم السلام ( والأولياء هربوا من المال ) كل الهرب ، ( ونفروا منه كل النفار ) وقد استوى عندهم وجوده وعدمه ؟ ( فأقول : قد هربوا من الماء على معنى أنهم ما شربوا ) منه ( أكثر من حاجتهم ) إليه في دفع العطش ، ( ففروا عما وراءه ولم يجمعوه في القرب ) والزوايا ( يديرونه مع أنفسهم ) أو على ظهورهم ، ( بل تركوه في الأنهار والآبار والبراري للمحتاجين إليه لا ) على معنى ( أنهم كانت قلوبهم مشغولة بحبه أو بغضه ، فقد حملت خزائن الأرض إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وإلى أبي بكر وعمر رضي اللّه عنهما ، فأخذوها ووضعوها في مواضعها وما هربوا منها إذ كان يستوي عندهم المال والماء والذهب والحجر ) . قال العراقي : وهذا معروف وقد تقدم في آداب المعيشة عن البخاري تعليقه مجزوما من حديث أنس : أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلم بمال من البحرين وكان أكثره مال أتى به ، فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى الصلاة ولم يلتفت إليه ، فلما قضى الصلاة فجلس إليه فما كان يرى أحدا إلا أعطاه ووصله عمر بن محمد البحيري في صحيحه من هذا الوجه . وفي الصحيحين من حديث عمرو بن عوف . قدم أبو عبيدة
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 529 | مرتضى الزبيدي