وقال أبو سليمان : واللّه ما نصبر على ما نحب فكيف نصبر على ما نكره وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « قال اللّه عز وجل إذا وجهت إلى عبد من عبيدي مصيبة في بدنه أو ماله أو ولده ثم استقبل ذلك بصبر جميل استحيت منه يوم القيامة أن انصب له ميزانا أو أنشر
شرح
فإن قيل : لم فرقت بين المستحب والقربة وهما واحد ؟ فأقول : بينهما عند التحقيق فرق ، وذلك أن اللّه تعالى بمنه وفضله أثابنا على كل حسنة ثوابا عاجلا وثوابا آجلا ، ومن جملة الثواب العاجل أن يثيبك على تلك الحسنة حسنة تناسبها وتليها في الدرجة فإذا تركت مكروها للّه أثابك اللّه عليه بترك مكروه هو أدق منه في الرتبة ، وإذا تركت مباحا شاغلا فتح لقلبك بسببه بابا إليه ، فحقيقة القربة نفحة من نفحات الرحمة تكشف لقلب العبد وجود اللّه وجماله فيترك فضول المباحات بسبب ذلك ويعرف هذا من يفرق بين حق النفس وحظها ، فإن كنت من أهل الذوق وإلا فالتصديق به واجب تقليدا ، ثم البداءة بالواجب من الطاعات ويقدم الأوجب على الواجب وما يفوت على ما لا يفوت وهذا واجب ، ثم يقدم الفضائل فأفضلها ويترك الفاضل للأفضل إذا لم يمكن الجمع بينهما والدعاء للظالم والشفقة عليه من هذا النوع وهو من مقامات المحسنين ، ثم الصبر على المصائب بالثبت عند الصدمة الأولى لأن كل شيء يوجد صغيرا ثم يأخذ في النماء والزيادة إلا المصيبة فإنها تبدو عظيمة ثم تصغر وتأخذ في النقصان وهذا واجب ، فإن غفل وجزع ثم رجع عن غفلته وندم واسترجع كان ندمه واسترجاعه توبة له . وقد قلنا إن التوبة تصح من كل ذنب ويدخل في هذا النوع الصبر على اللعن ومكافأة الجاني بما هو معصية حرام ومكافأته بما هو مباح مكروه لذهاب الملائكة وعدم إجابتها عنه وإن تألم في باطنه ، ولكن ترك المكافأة عليه في الظاهر فهو أحسن حالا من الأول ولا يدخل في نهي التحريم ، لأن الألم لم يدخل تحت اختيار العبد والرب تعالى لا يكلف العباد ولا يؤاخذهم إلا بما يدخل تحت اختيارهم ، ويستحب علاج الألم وتكسبه إلى أن يستوي عند القلب وجود الأذى وعدمه كما تكتسب الطاعة والمشقة ويجتنب المعاصي ، فإن فرح بالجناية ودعا للجاني فهذه هي القربة الصديقية ولا يحصل هذا إلا لعبد فتح نورا لتوحيد قلبه فارتفعت عن قلبه رؤية الوسائط وشاهد المتوحد بالأفعال ، ويعرفه إيمانه أن سيده اختار له ذلك ليزكي قلبه وينمي له نوره . إلى هنا كلامه .
( وكان أبو سليمان ) الداراني رحمه اللّه تعالى : ( يقول : واللّه ما نصبر على ما نحب فكيف نصبر على ما نكره ) ؟ نقله صاحب الرسالة ، قال : سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول :
سمعت أبا جعفر الرازي يقول : سمعت عباسا يقول : سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول : سألت أبا سليمان عن الصبر فقال : فذكره . ( وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « قال اللّه عز وجل : إذا وجهت إلى عبد من عبيدي مصيبة في بدنه أو ماله أو ولده ثم استقبل ذلك بصبر جميل استحييت منه يوم القيامة أن انصب له ميزانا أو انشر له ديوانا » ) قال العراقي : رواه ابن عدي في الكامل من حديث أنس بسند ضعيف اه .
قلت : وكذلك رواه الحكيم في النوادر ، والديلمي في مسند الفردوس .