يملأ بطنه إلا التراب وكذلك المسكن إن اكتفيت بمقصوده كفتك السماء سقفا والأرض مستقرا ؛ فإن غلبك حر أو برد فعليك بالمساجد ، فإن طلبت مسكنا خاصا طال عليك وانصرف إليه أكثر عمرك وعمرك هو بضاعتك ، ثم إن تيسر لك فقصدت من الحائط سوى كونه حائلا بينك وبين الأبصار ومن السقف سوى كونه دافعا للأمطار ، فأخذت ترفع الحيطان وتزين السقوف فقد تورطت في مهواة يبعد رقيك منها ، وهكذا جميع ضرورات أمورك إن اقتصرت عليها تفرغت للّه وقدرت على التزوّد لآخرتك والاستعداد لخاتمتك ، وإن جاوزت حدّ الضرورة إلى أودية الأماني تشعبت همومك ولم يبال اللّه في أي واد أهلكك ؛ فاقبل هذه النصيحة ممن هو أحوج إلى النصيحة منك .
واعلم أن متسع التدبير والتزوّد والاحتياط هذا العمر القصير ، فإذا دفعته يوما بيوم في تسويفك أو غفلتك اختطفت فجأة في غير وقت إرادتك ولم تفارقك حسرتك وندامتك ، فإن كنت لا تقدر على ملازمة ما أرشدت إليه بضعف خوفك إذ لم يكن فيما وصفناه من أمر الخاتمة كفاية في تخويفك فإنا سنورد عليك من أحوال الخائفين ما نرجو
شرح
وفي الخبر : « ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب » . ( وكذلك المسكن إن اكتفيت بمقصوده كفاك السماء سقفا والأرض مستقرا ، فإن غلبك حر أو برد فعليك بالمساجد ) فإنها مأوى المساكين ، ( فإن طلبت مسكنا خاصا ) لا يشاركك فيه أحد ( طال عليك ) أمره ( وانصرف إليه أكثر عمرك ) في تحصيله وإحضاره ( وعمرك هو بضاعتك ) التي بها تربح في معاملاتك ، ( ثم إن تيسر لك فقصدت من الحائط سوى كونه حائلا بينك وبين الأبصار ) أي من الأجنبي ( ومن السقف سوى ) كونه ( دافعا للأمطار فأخذت ترفع الحيطان وتزين السقوف ، فقد تورطت في مهواة يبعد رقيك ) أي صعودك ( منها ، وهكذا جميع ضرورات أمورك إن اقتصرت عليها تفرغت للّه وقدرت على التزوّد لآخرتك والاستعداد لخاتمتك ، ، وإن جاوزت حدّ الضرورة إلى أودية الأماني ) والآمال الكاذبة ( تشعبت همومك ) أي كثرت واختلفت ( ولم يبال اللّه في أي واد أهلكك ) وقد روى ابن ماجة ، والحكيم ، والشاشي ، والبيهقي من حديث أبي مسعود : « من جعل الهموم هما واحدا هم المعاد كفاه اللّه سائر همومه ، ومن تشعبت به الهموم من أحوال الدنيا لم يبال اللّه في أي أوديتها هلك » .
( فاقبل هذه النصيحة ممن هو أحوج إلى النصيحة منك واعلم أن متسع التدبير والتزود والاحتياط هو هذا العمر القصير ، فإذا دفعته يوما بيوم في تسويفك وإعلالك وغفلتك اختطفت فجأة في غير وقت إرادتك ولم تفارقك حسرتك وندامتك ) حيث لا ينفعك ذلك ، ( فإن كنت لا تقدر على ملازمة ما أرشدت إليه لضعف خوفك إذ لم يكن فيما وصفناه من أمر الخاتمة كفاية في تخويفك فإنا سنورد عليك من أحوال الخائفين ما نرجو أن يزيل