تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 41

مساهمون:

ص٤١
عبرة لأولي الأبصار فالرجل كل الرجل من يصبر على العافية ، ومعنى الصبر عليها أن لا يركن إليها ويعلم أن كل ذلك مستودع عنده وعسى أن يسترجع إلى القرب وأن لا يرسل نفسه في الفرح بها ولا ينهمك في التنعم واللذة واللهو واللعب ، وأن يرعى حقوق اللّه في ماله بالإنفاق وفي بدنه ببذل المعونة للخلق وفي لسانه ببذل الصدق ، وكذلك في
شرح
أن أخذته » ) قال العراقي : رواه أصحاب السنن من حديث بريدة وقالوا الحسن والحسين وقال الترمذي : حسن غريب انتهى . قلت : رواه أحمد ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجة ، وأبو يعلى ، وابن خزيمة ، وابن حبان ، والحاكم ، والبيهقي ، والضياء كلهم من حديث عبد اللّه بن بريدة عن أبيه رفعه قال : « صدق اللّه ورسولهأَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ *نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما » . وروى ابن ماجة من حديث يوسف بن عبد اللّه بن سلام قال : جاء الحسن والحسين يستبقان إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم فضمهما إليه وقال : « الولد مبخلة مجبنة » . وروى العسكري في الأمثال ، والحاكم في صحيحه من طريق معمر ، عن ابن خثيم ، عن محمد بن الأسود بن خلف ، عن أبيه ، أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أخذ حسنا فقبله ثم أقبل عليهم فقال : « إن الولد مجبنة مبخلة » وأحسبه قال : « مجهلة » وتقدم . وروى العسكري من حديث عمر بن عبد العزيز قال : زعمت المرأة الصالحة خولة بنت حكيم أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم خرج وهو محتضن حسنا وحسينا وهو يقول : إنكم لتجبنون وتجهلون وإنكم لمن ريحان اللّه » . ( ففي ذلك عبرة لأولى الأبصار وقد جمع اللّه بين ما سرّ وضرّ ) وجعلهما من وصف المتقين ومدحهما بالإحسان معهما ، فقال تعالى :أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ[ آل عمران : 134 ] ( فالرجل كل الرجل من يصبر على العافية ، ومعنى الصبر عليها أن لا يركن إليها ويعلم أن كل ذلك مستودع عنده أي بمنزلة الوديعة ، وعسى أن يسترجع على القرب ) إلى المودع ( وأن لا يرسل نفسه في الفرح بها ) والركون إليها ، ( ولا ينهمك في التنعيم واللذة واللهو واللعب ، وأن يؤد حقوق اللّه تعالى في ماله بالإنفاق منه ) في المواضع اللائقة ، ( وفي بدنه ببذل المعونة للخلق ) على قدر استطاعته ، ( وفي لسانه ببذل الصدق ، وكذلك في سائر ما أنعم اللّه به عليه ) . وقال صاحب القوت : ومن الصبر صبر على العوافي أن لا يجريها في مخالفة ، والصبر على الغنى أن لا يبذل في الهوى ، والصبر على النعمة أن لا يستعين بها على معصية ، فحاجة المؤمن على الصبر في هذه المعاني ومطالبته بالصبر عليها لحاجته ومطالبته بالصبر على المكاره والفقر والصبر على الشدائد والضر اه .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 41 | مرتضى الزبيدي