تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 40

مساهمون:

ص٤٠
استغنى حتى قال بعض العارفين البلاء يصبر عليه المؤمن ، والعوافي لا يصبر عليها إلا صديق . وقال سهل : الصبر على العافية أشد من الصبر على البلاء ولما فتحت أبواب الدنيا على الصحابة رضي اللّه عنهم قالوا ابتلينا بفتنة الضراء فصبرنا وابتلينا بفتنة السراء فلم نصبر ، ولذلك حذر اللّه عباده من فتنة المال . والزوج والولد فقال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ
[ المنافقون : 9 ] ، وقال عز وجل :
إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ
[ التغابن : 14 ] وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « الولد مبخلة مجبنة محزنة » . ولما نظر عليه السلام إلى ولده الحسن رضي اللّه عنه يتعثر في قميصه نزل عن المنبر واحتضنه ثم قال : « صدق اللّه
إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
[ التغابن : 15 ] إني لما رأيت ابني يتعثر لم أملك نفسي أن أخذته » ففي ذلك
شرح
لَيَطْغىأي يتجاوز عن الحدودأَنْ رَآهُ اسْتَغْنى[ العلق : 6 ، 7 ] أي رأى نفسه . واستغنى مفعوله الثاني لأنه بمعنى علم ، ولذا جاز أن يكون فاعله ومفعوله ضميرين لواحد قاله البيضاوي ( حتى قال بعض العارفين البلاء يصبر عليه المؤمن والعوافي لا يصبر عليها إلا صديق ) ولفظ القوت : ويقال إن البلاء والفقر يصبر عليهما المؤمن والباقي سواء . ( وقال سهل : الصبر على العافية أشد من الصبر على البلاء ) ولفظ القوت وكان سهل يقول : الصبر على العوافي أشد من الصبر على البلاء ، ( و ) كذلك ( لما فتحت أموال الدنيا ) من سائر البلاد ( على الصحابة رضي اللّه عنهم ) وذلك في خلافة عمر رضي اللّه عنه فنالوا من العيش واتسعوا ( قالوا : ابتلينا بفتنة الضراء فصبرنا وابتلينا بفتنة السراء فلم نصبر ) ، فعظموا الاختبار بالسراء وهو ما سر على الاختبار بالضراء وهو ما ضر . قال الطبراني : حدثنا عبد الرحمن بن جابر الطائي ، حدثنا بشر بن شبيب بن أبي حمزة ، عن أبيه ، عن الزهري ، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال : قال عبد الرحمن بن عوف : بلينا بالضراء فصبرنا وبلينا بالسراء فلم نصبر . ( وكذلك حذر اللّه عباده من فتنة المال والزوج والولد فقال :يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ) لأن فيها ما يسر فيشغل عن ذكر اللّه تعالى . ( وقال عز وجل :إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ) لأن في الأزواج والأولاد ما يفرح به فيوافق فيهم الهوى ويخالف بودهم المولى فصاروا أعداء في العقبى لما يؤل إليه من شأنهم ( وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « الولد مبخلة مجبنة محزنة » ) رواه أبو يعلى الموصلي من حديث أبي سعيد بلفظ : « الولد ثمر القلب وأنه مبخلة مجبنة محزنة » وقد تقدم . ورواه أحمد ، وابن سعد ، والطبراني من حديث يعلى بن مرة العامري : « الولد مبخلة مجبنة وإن آخر وطأة وطئها فوج » وتقدم أيضا . ( ولما نظر صلّى اللّه عليه وسلم إلى ولده الحسن ) رضي اللّه عنه ( يتعثر في قميصه نزل عن المنبر واحتضنه وقال : صدق اللّه :أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ *إني لما رأيت ابني ) هذا ( يتعثر ) في قميصه ( لم أملك نفسي