إفشاؤه ولا يمكن تفهم الخوف منه في صفاته جل جلاله إلا بمثال لولا أذن الشرع لم يستجرىء على ذكره ذو بصيرة ، فقد جاء في الخبر : إن اللّه تعالى أوحى إلى داود عليه السلام : يا داود خفني كما تخاف السبع الضاري فهذا المثال يفهمك حاصل المعنى وإن كان لا يقف بك على سببه ، فإنّ الوقوف على سببه وقوف على سر القدر ، ولا يكشف ذلك إلا لأهله . والحاصل أن السبع يخاف لا لجناية سبقت إليه منك بل لصفته وبطشه وسطوته وكبره وهيبته ؛ ولأنه يفعل ما يفعل ولا يبالي ، فإن قتلك لم يرق قلبه ولم يتألم بقتلك ، وإن خلاك لم يخلك شفقة عليك وإبقاء على روحك بل أنت عنده أخس من أن
شرح
الخبر « القدر سر اللّه فلا تفشوه » فهنا خطاب لمن كوشف به ، وفي لفظ آخر « ستر اللّه » فهذا خطاب لمن لم يكاشف به ، وهذا نهي عن السؤال عنه وهو داخل في قوله تعالى :وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ[ الإسراء : 36 ] أي لا تتبع نفسك علم ما لم تكلف ولا تسأل عما لا يجعل من علمك ولم يوكل إليك فتصنع بما لا يعنيك كما كلفته وقوله تعالى في قصة نوح عليه السلام :فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ[ هود : 46 ] أي عما ليس من علمك الذي جعلته علما لك هذا هو علمي وسري في خلقي وهو من معنى قوله :لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ[ الأنبياء : 23 ] أي ليس هو مما يصلح ان تتعلمه وتسأل عنه لأني لم أتعبدك به .
قال صاحب القوت : وليس يصلح أن يكشف سر المخاوف من الخاتمة والسابقة لأن ذلك يكون من حقائق معنى الصفات التي ظهرت عن حقيقة الذات فأظهرت بدائع الأفعال وغرائب المآل ، وأعادت الأحكام على من أظهر بها وجعل لها ممن حقت عليه الكلمات وجعل نصيبه من معاني هذه السرائر من الصفات ، فيؤذي ذلك منا إلى كشف باطن الأوصاف وهو من سر القدر وقد نهى عن إفشائه في غير خير .
( ولا يمكن تفهم الخوف منه في صفاته إلا بمثال لولا أذن الشرع ) بضرب الأمثلة ( لم يستجرىء على ذكره ذو بصيرة ) ولم يقدم عليه لصعوبة المقام ، ( فقد جاء في الخبر : إن اللّه تعالى أوحى إلى داود عليه السلام يا داود خفني كما تخاف السبع الضاري ) قال العراقي : لم أجد له أصلا ، ولعل المصنف قصد بايراده أنه من الإسرائيليات ، فإنه عبّر عنه بقوله جاء في الخبر ، وكثيرا ما يعبر بذلك عن الإسرائيليات التي هي غير مرفوعة ، ( فهذا المثال يفهمك حاصل المعنى وإن كان لا يقف بك على سببه ، فإن الوقوف على سببه وقوف على سر القدر ولا يكشف ذلك إلا لأهله ) ممن له علم باسراره المخفية ممن كوشف بها . ( والحاصل أن السبع يخاف لا لجناية من الإنسان سبقت إليه بل لصفته وبطشه وسطوته و ) ما ألبس وجهه من ( كبره وهيبته ، ولأنه يفعل ما يفعل ولا يبالي ، فإن قتلك لم يرق قلبه ولم يتألم لقتلك ، وإن خلّاك ) أي تركك ( لم يخلك شفقة عليك وابقاء على روحك ، بل أنت عنده أخس من