تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 33

مساهمون:

ص٣٣
وعند هذا يقال من صبر ظفر . والواصلون إلى هذه الرتبة هم الأقلون فلا جرم هم الصديقون المقربون
الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا
[ فصلت : 30 ] فهؤلاء لازموا الطريق المستقيم واستووا على الصراط القويم واطمأنت نفوسهم على مقتضى باعث الدين وإياهم ينادي المنادي :
يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً
[ الفجر : 27 - 28 ] . الحالة الثانية : أن تغلب دواعي الهوى وتسقط بالكلية منازعة باعث الدين فيسلم نفسه إلى جند الشياطين ، ولا يجاهد ليأسه من المجاهدة ، وهؤلاء هم الغافلون وهم الأكثرون ، وهم الذين استرقتهم شهواتهم وغلبت عليهم شقوتهم فحكموا أعداء اللّه في قلوبهم التي هي سر من أسرار اللّه تعالى وأمر من أمور اللّه . وإليهم الإشارة بقوله تعالى :
وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
[ السجدة : 13 ] وهؤلاء هم الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فخسرت
شرح
أصلا ، ( ويتوصل إليه بدوام الصبر ) في أحواله كلها ( وعند هذا يقال من صبر ظفر ) أي نال الفوز والفلاح أو المراد من صبر على مخاتلة عدوّه ظفر به ، ( والواصلون إلى هذه الرتبة هم الأقلون ) لصعوبة القيام بالدوام ، ( فلا جرم هم الصديقون المقربون الذين ) وصفهم اللّه تعالى في كتابه العزيز فقال :الَّذِينَ ( قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ *) أقروا بربوبية المعبود وقيامه به وإحاطته عليه وذلك خلاصة التوحيد (ثُمَّ اسْتَقامُوا *) على هذا الإقرار تتنزل عليهم الملائكة الآية . ( فهؤلاء لازموا الطريق المستقيم ) في التوحيد ( واستووا على الصراط القويم واطمأنت نفوسهم على مقتضى بواعث الدين وإياهم ينادي :يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً) وهؤلاء هم السابقون . ( الحالة الثانية : أن تغلب دواعي الهوى وتسقط بالكلية منازعة باعث الدين فيسلم نفسه إلى جند الشيطان ) فيستولي عليها ( ولا يجاهد ليأسه عن المجاهدة وهؤلاء هم الغافلون ) الظالمون لأنفسهم ، ( وهم الأكثرون وهم الذين استرقتهم شهوتهم ) . أي تملكتهم وجعلتهم كالأرقاء ، ( وغلبت عليهم شقوتهم ) وسوء حظهم ، ( فحكموا أعداء اللّه في قلوبهم التي هي سر من أسرار اللّه تعالى ) والمراد بها اللطيفة الربانية لا المضغة اللحمانية بدليل قوله : ( وأمر من أوامره وإليهم الإشارة بقوله تعالىوَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) وكذلك قوله تعالى :وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا[ الأنعام : 107 ] وقوله :وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا[ البقرة : 253 ] وقوله :وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ[ هود : 118 ، 119 ] ( وهؤلاء هم الذين اشتروا