إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 30
الشرع بحدود الأعمال والأحوال ونسبتها إلى الإيمان ، والأصل فيه أن تعرف كثرة أبواب الإيمان فإن اسم الإيمان يطلق على وجوه مختلفة . بيان الأسامي التي تتجدد للصبر بالإضافة إلى ما عنه الصبر : اعلم أن الصبر ضربان أحدهما ضرب بدني ، كتحمل المشاق بالبدن والثبات عليها وهو إما بالفعل كتعاطي الأعمال الشاقة إما من العبادات أو من غيرها وإما بالاحتمال : كالصبر على الضرب الشديد والمرض العظيم والجراحات الهائلة . وذلك قد يكون محمودا إذا وافق الشرع . ولكن المحمود التام هو الضرب الآخر : وهو الصبر النفسي عن مشتهيات الطبع ومقتضيات الهوى . ثم هذا الضرب إن كان صبرا عن شهوة البطن والسكون إليه . ( فهكذا ينبغي أن يفهم تقديرات الشرع لحدود الأعمال والأحوال ولنسبتها إلى الإيمان والأصل فيه أن تعرف كثرة أبواب الإيمان وأن اسم الإيمان يطلق على وجوه مختلفة ) واعتبارات شتى . بيان الأسامي التي تتجدد للصبر بالإضافة إلى ما عنه الصبر : ( إعلم ) أرشدك اللّه تعالى ، ( أن الصبر ) في اللغة الحبس والكف في ضيق ومنه قتل فلان صبرا إذا أمسك وحبس للقتل قال تعالى : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ [ الكهف : 28 ] الآية ، أي احبس نفسك معهم وهو ( ضربان ضرب بدني ) : ويقال له : الجسمي أيضا وذلك ( كتحمل المشاق بالبدن والثبات عليها ) على قدر قوّة البدن ونهايته معلومة وأكثرها لذوي الجسوم الخشنة وليس ذلك بفضيلة تامة ولهذا قال الشاعر : والصبر بالأرواح يعرف فضله * صبر الملوك وليس بالأجسام ( وهو إما بالفعل كتعاطي الأعمال الشاقة ، إما من العبادات ) كان يصلي حتى ترم رجلاه أو يصوم مواصلا حتى تسقط قوته ( أو من غيرها ) . كالمشي الكثير ورفع الحجر الثقيل ، ( وإما بالاحتمال ) وهو الأنفعالي ، ( كالصبر على الضرب الشديد ) بالمقارع ( والمرض العظيم والجراحات الهائلة وذلك يكون محمودا إذا وافق الشرع ) نصا أو قياسا أو استحبابا ، ( ولكن المحمود التام هو الضرب الآخر وهو الصبر النفسي ) ، وذلك بأن يكف النفس ( عن مشتهيات الطبع ومقتضيات الهوى ) ، وبه تتعلق الفضيلة . ( ثم هذا الصبر ) ضربان : ( إن كان صبرا عن ) تناول ( شهوة البطن والفرج سمي عفة ) فالعفة لا تتعلق إلا بالقوى الشهوية ولا تتعلق من القوى الشهوية إلا بالملاذ الحيوانية ، وهي المعلقة بالغارين البطن والفرج دون الألوان الحسنة والألحان الطيبة والأشكال المنتظمة ، والعفة ، أس الفضائل ، وإنما تتعلق بضبط القلب عن التطلع للشهوات البدنية ومن اعتقاد ما يكون جالبا للبغي والعدوان وتمامها يتعلق بحفظ الجوارح ،