تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 325

مساهمون:

ص٣٢٥
ما خطر بقلبك موجودا في الحال سمي وجدا وذوقا وإدراكا ، وإنما سمي وجدا لأنها حالة تجدها من نفسك ، وإن كان قد خطر ببالك وجود شيء في الاستقبال وغلب ذلك على قلبك سمي انتظارا وتوقعا ، فإن كان المنتظر مكروها حصل منه ألم في القلب سمي خوفا وإشفاقا ، وإن كان محبوبا حصل من انتظاره وتعلق القلب به واخطار وجوده بالبال لذة في القلب وارتياح سمي ذلك الارتياح رجاء ، فالرجاء هو ارتياح القلب لانتظار ما هو محبوب عنده ولكن ذلك المحبوب المتوقع لا بدّ وأن يكون له سبب ، فإن كان انتظاره لأجل حصول أكثر أسبابه فاسم الرجاء عليه صادق ، وإن كان ذلك
شرح
سيأتي ، ( فإذا خطر ببالك موجود فيما مضى سمي ذكرا وتذكرا ) وندما وأسفا ، فالذكر وجود الشيء في القلب أو اللسان وذلك لأن الشيء له أربع درجات : وجوده في ذاته ، ووجوده في قلب الإنسان ، ووجوده في لفظه ، ووجوده في كتابته . فوجوده في ذاته هو سبب لوجوده في قلب الإنسان ، ووجوده في قلبه هو سبب لوجوده في لسانه ، ووجوده في كتابته . ويقال : للوجودين الأولين الذكر ، وأما التذكر فهو محاولة القوّة العقلية لاسترجاع ما فات بالنسيان ، ( وإن كان ما خطر بقلبك موجودا في الحال سمي وجدا وذوقا وإدراكا ) وفرحا وسرورا ، ( وإنما سمي وجدا لأنها حالة تجدها من نفسك ) وإنما سمي ذوقا على التشبيه بالذوق الذي هو تناول الشيء بالفم لإدراك الطعم ، وإنما سمي إدراكا لأنه أحاط عليه علما بكماله ، ( وإن كان قد خطر ببالك وجود شيء في الاستقبال وغلب ذلك على قلبك سمي انتظارا له أو توقعا ) فالإنتظار هو الثبات لتوقع ما يكون في الحال ، والتوقع تفعل من الوقوع بمعنى الحصول أي تكلف حصول الشيء في يده ، ( فإن كان المنتظر مكروها حصل منه ألم في القلب سمى خوفا وإشفاقا ) وحزنا وقبضا وغما وكمدا ، وفد اختلفت عباراتهم في الخوف فقيل : وهو توقع مكروه أو فوت محبوب ، وقيل هو حذر النفس من أمور ظاهرها تضره ، وقيل توقع مكروه عن أمارة مظنونة أو معلومة . وأما الإشفاق فعناية مختلطة بخوف لأن المشفق يحب المشفق عليه ويخاف ما يلحقه ، فإذا عدى « بمن » فمعنى الخوف فيه أظهر أو « بعن » فمعنى العناية فيه أظهر ، ( وإن كان محبوبا حصل من انتظاره وتعلق القلب به واخطار وجوده بالبال لذة في القلب وارتياح سمي ذلك الارتياح رجاء ، فالرجاء هو ارتياح القلب لانتظار ما هو محبوب عنده ) عن إمارة مظنونة ومعلومة هذا هو معناه العرفي . وقال بعضهم : هو ظن يقتضي حصول ما فيه مسرة ، وقيل : هو ترقب الانتفاع بما تقدم له سبب ما . وقيل : تعلق القلب بحصول محبوب مستقبلا . وقال القشيري في الرسالة : هو تعليق القلب بمحبوب سيحصل في المستقبل ، وكما أن الخوف يقع في مستقبل الزمان فكذلك الرجاء يحصل لما تؤمل في الاستقبال ، ( ولكن ذلك المحبوب المتوقع لا بدّ ولأن يكون له سبب ) ما تقدمه ، ( فإن كان انتظاره لأجل حصول أكثر أسبابه فاسم الرجاء عليه صادق ، وإن كان ذلك انتظارا مع انخرام أسبابه واضطرابها فاسم الغرور والحمق
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 325 | مرتضى الزبيدي