تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 324

مساهمون:

ص٣٢٤
مقاما إذا ثبت وأقام ، وإنما يسمى حالا إذا كان عارضا سريع الزوال ، وكما أن الصفرة تنقسم إلى ثابتة كصفرة الذهب ، وإلى سريعة الزوال كصفرة الوجل ، وإلى ما هو بينهما كصفرة المريض ، فكذلك صفات القلب تنقسم هذه الأقسام ، فالذي هو غير ثابت يسمى حالا لأنه يحول على القرب وهذا جار في كل وصف من أوصاف القلب ، وغرضنا الآن حقيقة الرجاء ، فالرجاء أيضا يتم من حال وعلم وعمل ، فالعلم سبب يثمر الحال . والحال يقتضي العمل ، وكان الرجاء اسم للحال من جملة الثلاثة ، وبيانه : أن كل ما يلاقيك من مكروه ومحبوب فيقسم إلى موجود في الحال وإلى موجود فيما مضى وإلى منتظر في الاستقبال ، فإذا خطر ببالك موجود فيما مضى سمي ذكرا وتذكرا ، وإن كان
شرح
وأحوال الطالبين ) وهو المقام الرابع من مقامات اليقين ، والسالك والطالب واحد إلا أنه خص السلوك بطلب طريق الحق ، فالطالب أعم وهو واجب لأنه من عقود الايمان بكمال اللّه تعالى ، ثم اعلم أن هذا العلم الذي نحن بصدده يترتب على قواعد شتى لو وضعها المصنف في موضع واحد لاختلّ نظام الترتيب وعسر البناء عليها عند الحاجة إليها ، فاختار أن يضع في كل كتاب قاعدة مناسبة له ويبني عليه أمثاله ، فقد أشار إلى القاعدة المناسبة لهذا الباب ولما يأتي بعده من الأحوال في انقسام أحوال القلوب بقوله : ( وإنما يسمى الوصف مقاما إذا ثبت وأقام ) كأنه أشار به إلى وجه تسميته أي يسمى المقام مقاما لثبوته واستقراره ، ( وإنما يسمى حالا إذا كان عارضا سريع الزوال ) أي يسمى الحال حالا لتحوّله وسرعة زواله ، ( كما أن الصفرة تنقسم إلى ثابتة كصفرة الذهب ) هذا أصل لونه الذي لا يتغير عنه وقد يحمر لعارض فيثبت فيه ، ( وإلى سريعة الزوال كصفرة الوجل ) فإن الإنسان إذا عراه خوف يصفر لونه ، فإذا زال الخوف رجع إلى لونه ( وإلى ما هو بينهما كصفرة المريض ) فتارة تثبت وتارة تزول ، ( فكذلك صفات القلب تنقسم هذه الأقسام ، فالذي هو غير ثابت يسمى حالا لأنه يحول على القرب ) واختلفت إشارات الشيوخ في الحال والمقام ووجود الاشتباه فيهما لمكان تشابههما في أنفسهما وتداخلهما ، فتراءى للبعض الشيء حالا وتراءى للبعض مقاما ، وكلا الرؤيتين صحيح لوجود تداخلهما ، وأحسن ما يفرق به بينهما ما أشار إليه المصنف على أن اللفظ والعبارة عنهما مشعر بالفرق ، وقد يكون الشيء بعينه حالا ثم يصير مقاما والعبد بالأحوال يرتقي إلى المقامات ، ( وهذا جار في كل وصف من أوصاف القلب ) فما يعرف وصف من أوصافه إلا وفيه حال ومقام . ( وغرضنا الآن حقيقة الرجاء ، فالرجاء أيضا يتم من حال وعلم وعمل ) فإنه ما من مقام إلا وهو ينتظم من هؤلاء الثلاثة ، والعمل ميراث الحال ، والحال ميراث العلم ، ( فالعلم سبب يثمر الحال ) أي بمنزلة شجرة والحال ثمرتها ، ( والحال يقتضي العمل ) فإنه بمنزلة الغصن . ( وكان الرجاء اسم للحال من جملة الثلاثة ) المذكورة ، ( وبيانه : أن كل ما يلاقيك من مكروه ومحبوب فينقسم إلى موجود في الحال ، وإلى موجود فيما مضى ) من الزمان ، ( وإلى منتظر في الاستقبال ) أي فيما
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 324 | مرتضى الزبيدي