رجائه حتى ساقهم بلطائف آلائه إلى النزول بفنائه ، والعدول عن دار بلائه التي هي مستقرّ أعدائه ، وضرب بسياط التخويف وزجره العنيف وجوه المعرضين عن حضرته إلى دار ثوابه وكرامته ، وصدّهم عن التعرّض لأئمته والتهدّف لسخطه ونقمته ، قودا لأصناف الخلق بسلاسل القهر والعنف وأزمة الرفق واللطف إلى جنته ، والصلاة على محمد سيد أنبيائه وخير خليقته وعلى آله وأصحابه وعترته .
أما بعد : فإن الرجاء والخوف جناحان بهما يطير المقرّبون إلى كل مقام محمود ، ومطيتان بهما يقطع من طرق الآخرة كل عقبة كؤود ، فلا يقود إلى قرب الرحمن وروح
شرح
لكن المتعارف في الخير واستعماله في الشر استعارة كاستعارة البشارة فيه ، ( المخوف مكره ) وهو ارداف النعم مع المخالفة وإبقاء الحال مع سوء الأدب ، ( وعقابه ) وهو الإيلام الذي يتعقب به جرم سابق وفي المرجوّ والمخوف براعة الإستهلال وبين الثواب والعقاب حسن المقابلة ، ( الذي عمر قلوب أوليائه بروح رجائه ) الروح بالفتح ما تلذ به النفس أصله من الريح ، ( حتى ساقهم بلطائف آلائه إلى النزول ) أي الاستقرار ( بفنائه ) أي ساحة حضرته وهي جنة القرب ( والعدول ) أي الصرف ( عن دار بلائه ) أي امتحانه ( التي هي مستقر أعدائه ) وهي نار البعد وبين الأولياء والأعداء حسن المقابلة ، ( وصرف بسياط التخويف وزجره العنيف ) أي الشديد ( وجوه المعرضين عن حضرته إلى دار ثوابه وكرامته ) . وهي الجنة فإنها تسمى دار الثواب ودار الكرامة ، ( وصدّهم ) أي منعهم ( عن التعرض لائمته ) وهي الملامة اسم من اللوم ( والتهدف ) وهو التعرض للهدف ( لسخطه ونقمته ) أي غضبه وانتقامه ، ( قودا ) أي جذبا ( لأصناف الخلق ) على تباينهم وكثرتهم ( بسلاسل القهر والعنف ) تارة ( وأزمة الرفق واللطف ) أخرى ( إلى جنته ) والأزمة : جمع زمام وهو ما يقاد به وفيه إيماء إلى الخبر الوارد عجب ربنا من قوم يقادون بالسلاسل إلى الجنة وقد تقدم ، ( والصلاة ) والسلام ( على ) سيدنا ( محمد سيد أنبيائه وخير خليقته ) أي مخلوقاته ( وعلى آله وأصحابه وعترته ) العترة نسل الإنسان ، وقيل : أقارب الرجل الأدنون .
( أما بعد : فإن الرجاء والخوف جناحان ) أي بمنزلتهما للطائر ( بهما يطير المقربون ) إلى الحضرة الذين تم سلوكهم ( إلى كل مقام محمود ) وفيه إشارة إلى أنهما حالان ، وقد يكون المقام حالا وبالعكس كما سيأتي . ونقل القشيري عن أبي علي الروذباري قال : الخوف والرجاء هما كجناحي الطائر إذا استويا استوى الطير وتم طيرانه . وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص ، وإذا ذهب صار الطائر في حدّ الموت ، وفي قوله مقام محمود إشارة لما سيأتي أن الرجاء مقام محمود كما أن ضده مذموم ، ( ومطيتان ) أي بمنزلتهما والمطية ما يمتطى ظهرها أي يركب ( بهما يقطع من طرق الآخرة كل عقبة ) وهي الثنية بين الجبلين ، ( كؤود ) أي صعبة المرتقى والمنحدر ( فلا يقود ) أي لا يسوق ( إلى قرب الرحمن وروح الجنان مع كونه بعيد الأرجاء ) أي