وشكر البصير عليهما من حيث العمل بأمرين : أحدهما أن لا يستعين بهما على معصية ، والآخر أن يستعملهما في الطاعة ، وكل واحد من الأمرين لا يخلو عن الصبر ، فإن الأعمى كفى الصبر عن الصور الجميلة لأنه لا يراها ، والبصير إذا وقع بصره على جميل فصبر كان شاكرا لنعمة العينين ، وإن اتبع النظر كفر نعمة العينين ؛ فقد دخل الصبر في شكره ، وكذا إذا استعان بالعينين على الطاعة فلا بدّ أيضا فيه من صبر على الطاعة ، ثم قد يشكرها بالنظر إلى عجائب صنع اللّه تعالى ليتوصل به إلى معرفة اللّه سبحانه وتعالى ، فيكون هذا الشكر أفضل من الصبر ، ولولا هذا لكانت رتبة شعيب عليه السلام مثلا وقد كان ضريرا من الأنبياء فوق رتبة موسى عليهما السلام وغيره من الأنبياء لأنه صبر على فقد البصر وموسى عليه السلام لم يصبر مثلا ، ولكان الكمال في أن يسلب الإنسان الأطراف كلها ويترك كلحم على وضم وذلك محال جدا لأنّ كل واحد من هذه الأعضاء آلة في الدين يفوت بفوتها ذلك الركن من الدين ، وشكرها باستعمالها فيما هي آلة فيه من الدين ، وذلك لا يكون إلا بصبر وأما ما يقع في محل الحاجة كالزيادة على الكفاية من المال فإنه إذا لم يؤت إلا قدر الضرورة وهو محتاج إلى ما وراءه ، ففي الصبر عنه مجاهدة وهو جهاد الفقر ، ووجود الزيادة نعمة وشكرها أن تصرف إلى الخيرات أو أن
شرح
( وشكر البصير عليهما من حيث العمل بأمرين : أحدهما أن لا يستعين بهما على معصية ، والآخر أن يستعملهما في الطاعة ، وكل واحد من الأمرين لا يخلو عن الصبر فإن الأعمى ) قد ( كفى الصبر عن الصور الجميلة لأنه لا يراها ، والبصير إذا وقع بصره على جميل فصبر كان شاكرا لنعمة العينين وإن أتبع النظر ) مرة بعد ( الأولى كفر نعمة العينين ، فقد دخل الصبر في شكره ، وكذا إذا استعان بالعينين على الطاعة فلا بد فيه أيضا من الصبر على الطاعة ثم قد يشكرها بالنظر إلى عجائب صنع اللّه تعالى ليتوصل به إلى معرفة اللّه سبحانه ، فيكون هذا الشكر أفضل من الصبر ، ولولا هذا لكانت رتبة شعيب عليه السلام مثلا وقد كان ضريرا من الأنبياء فوق رتبة موسى عليه السلام لأنه ) أي شعيبا ( صبر على فقد البصر وموسى عليه السلام لم يصبر ، ولكان الكمال في أن يسلب الإنسان الأطراف كلها ويترك كلحم على وضم ) أي اللوح من الخشب الذي كان يوضع عليه لحم الجزور ويقسم ، ( وذلك محال جدا لأن كل واحد من هذه الأعضاء آلة في الدين فيفوت بفواتها ذلك الركن من الدين ، وشكرها استعمالها فيما هي فيه آلة من الدين وذلك لا يكون إلا بصبر ، وأما ما يقع في محل الحاجة كالزيادة على الكفاية من المال فإنه إذا لم يؤت إلا قدر الضرورة وهو محتاج إلى ما وراءه ففي الصبر عنه مجاهدة ) شديدة ( وهو جهاد الفقراء ) أي بمنزلة الجهاد لهم ، ( ووجود الزيادة نعمة وشكرها أن تصرف إلى الخيرات