فلم يعدّه الجاهل نعمة ، وهذا الجاهل مثل العبد السوء حقه أن يضرب دائما ، حتى إذا ترك ضربه ساعة تقلد به منة ، فإن ترك ضربه على الدوام غلبه البطر وترك الشكر ، فصار الناس لا يشكرون إلا المال الذي يتطرّق الاختصاص إليه من حيث الكثرة والقلة وينسون جميع نعم اللّه تعالى عليهم ، كما شكا بعضهم فقره إلى بعض أرباب البصائر وأظهر شدة اغتمامه به فقال له : أيسرك أنك أعمى ولك عشرة آلاف درهم ؟ فقال : لا ، فقال : أيسرك أنك أخرس ولك عشرة آلاف درهم ؟ فقال : لا ، فقال : أيسرك أنك أقطع اليدين والرجلين ولك عشرون ألفا ؟ فقال : لا ، فقال : أيسرك أنك مجنون ولك عشرة آلاف درهم ؟ فقال : لا ، فقال : أما تستحيي أن تشكو مولاك وله عندك عروض بخمسين ألفا ! وحكى ان بعض القراء اشتد به الفقر حتى ضاق به ذرعا ، فرأى في المنام كأنّ قائلا يقول له : تود أنا أنسيناك من القرآن سورة الأنعام وإن لك ألف دينار ؟
قال : لا ، قال : فسورة هود ؟ قال : لا ، قال : فسورة يوسف ؟ قال : لا ، فعدّد عليه سورا ثم قال : فمعك قيمة مائة ألف دينار وأنت تشكو ، فأصبح وقد سري عنه ، ودخل ابن
شرح
( وهذا الجاهل مثل العبد السوء حقه أن يضرب دائما ) لمخالفة سيره في أوامره ونواهيه ( حتى إذا ترك ضربه ساعة تقلد به منة فإن ترك ضربه على الدوام غلبه البطر وترك الشكر ، فصار الناس لا يشكرون إلا المال الذي يتطرق الإختصاص إليه من حيث الكثرة والقلة وينسون جميع نعم اللّه تعالى عليهم ) في سائر أحوالهم ، ( كما شكا بعضهم فقره إلى بعض أرباب البصائر وأظهر شدة اغتمامه به ) ولفظ القوت : وحدثت عن رجل شكا إلى بعض أهل المدينة فقره وأظهر لذلك غمه ( فقال له الرجل : أيسرك أنك أعمى ولك عشرة آلاف درهم ؟ فقال : لا . فقال : أيسرك أنك أخرس ولك عشرة آلاف ؟ قال : لا . فقال : أيسرك أنك أقطع اليدين والرجلين ولك عشرون ألفا ؟ قال : لا . قال : أيسرك أنك مجنون ولك عشرة آلاف ؟ قال : لا . فقال : أما تستحي أن تشكو مولاك وله عندك عروض بخمسين ألفا ) قال صاحب القوت : وهذا كما قال لأن في الإنسان قيم هذه الأشياء من الجوارح وزيادة من المال لأنها ديات جوارحه لو قطعت .
( وحكي أن بعض القراء ) أي العلماء . ولفظ القوت : وحدثني بعض الشيوخ في معناه أن بعض القراء المقربين ( اشتد به الفقر حتى ) أحزنه و ( ضاق به ذراعا ) قال : ( فرأى في المنام كأن قائلا يقول له : تود أنّا أنسيناك من القرآن سورة الأنعام وأن لك ألف دينار ؟ قال :
لا . قال : فسورة هود ؟ قال : لا . قال : فسورة يوسف ؟ قال : لا . فعدد عليه سورا ثم قال :
فمعك قيمة مائة ألف دينار ) هكذا في القوت وفي بعض نسخ الكتاب قيمة ما يبلغ آلافا ، ( وأنك تشكو ) الفقر ( فأصبح وقد سرى عنه همه ) أي انكشف وزال .