تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
في حس واحد ، فقس به حاسة السمع وسائر الحواس ؛ بل لا يمكن أن تستوفي حكم اللّه تعالى وأنواع نعمه في جسم البصر وطبقاته في مجلدات كثيرة مع أنّ جملته لا تزيد على جوزة صغيرة ؛ فكيف ظنك بجميع البدن وسائر أعضائه وعجائبه ، فهذه مرامز إلى نعم اللّه تعالى بخلق الإدراكات .
شرح
معتدلا إذ لا لون أنسب وأوفق لنور الباصرة من هذا ، لأن لون السواد يقبض النور المذكور والبياض يفرقه ، وهذا اللون متوسط بين السواد والبياض ، ولا نجد في الألوان ما هو في حاق الوسط بينهما مثل هذا اللون ، ويعلو هذه الطبقة جسم كثيف صلب صاف شفاف يشبه صحيفة رقيقة من قرن أبيض ويسمى الطبقة القرنية غير أنها تتلون بلون الطبقة التي تحتها المسماة بالعنبية ، كما إذا الصق وراء جام من زجاج شيء ذو لون فيخيل ذلك المكان من الزجاج بلون ذلك الشيء ولونها مختلف في الناس ، ففي بعض يكون زرقاء ، وفي بعض يكون شهلاء ، وفي بعض يكون سوداء ، ويعلو هذه الطبقة ويغشيها لا كلها بل إلى موضع سواد العين جسم أبيض اللون صلب يسمى الطبقة الملتحمة وهي التي تلي الهواء وهو بياض العين ونباته من الجلد الذي على القحف من خارج ، وجوهره من لحم أبيض دسم ، وقد امتزج بعضلة العين وأحكم على القرنية ، فلهذا يسمى بالملتحمة ، ونبات القرنية من الصلبية ، ونبات العنبية من المشيمة ، ونبات العنكبوتية من الشبكية . وهكذا رتب بعضهم هذه الطبقات والرطوبات أعني جعل الأول الطبقة الصلبية ، ثم الطبقة المشيمية ، ثم الطبقة الشبكية ، ثم الرطوبة الجليدية ، ثم الطبقة العنكبوتية ، ثم الرطوبة البيضية ، ثم باقي الطبقات ، وبعضهم جعل الرطوبة البيضية تالية للرطوبة الجليدية بين الزجاجية والبيضية ليأخذ الغذاء من الزجاجية وندفع البيضية عنها أشعة الشمس ونحوها ، وجعل الطبقات الأربع أعني العنكبوتية والعنبية والقرنية والملتحمة تالية للرطوبات الثلاث المتتالية ، وأشرف أجزاء العين إنما هو الرطوبة الجليدية وسائر الطبقات والرطوبات لأجل مصلحته ، فالزجاجية والطبقات الثلاث المتصلة بها قد أحاطت بنصف الجليدية من جانب الرطوبة البيضية ، والطبقات الأربع المتصلة بها محيطة بنصفها الآخر من جانب آخر وهي موضوعة في الوسط صيانة لها وحرزا . ( فهذا في حس واحد فقس به حاسة السمع وسائر الحواس ) . ومن أعجب ما في حاسة السمع أن في داخلها فضاء موضوعا مجوفا ذا تقعير إليه ثقبة ، وقد انبسط غشاء منتسج من ليف عصب الحس المذكور على محيط ذلك الفضاء كانبساط الجلد على الطبل ، وبهذا الغشاء يكون السمع عندما يقرعه الصوت لأن في ذلك الفضاء هواء راكدا ، فكلما وصل الهواء الخارجي المتموج إلى العصب حرك الهواء الداخل فيصادمان في العصب معا فيدرك الصوت ، ( بل لا يمكن أن تستوفي حكم اللّه تعالى وأنواع نعمه في جسم البصر وطبقاته ) المذكورة ( في مجلدات كثيرة ) قد تكلف ببيان بعضها أهل التشريح ، ( مع أن جملته لا تزيد على جوزة صغيرة ) أي في المقدار ، ( فكيف ظنك بجميع البدن وسائر أعضائه وعجائبه ) التي ركبها اللّه تعالى فيه ( فهذه مرامز ) أي إشارات ( إلى نعم اللّه تعالى بخلق الإدراكات ) واللّه أعلم .