تناوله ثانيا ، وهذا كله تشاركك فيه الحيوانات ، إذ للشاة هذه الحواس كلها ؛ فلو لم يكن لك إلا هذا لكنت ناقصا ؛ فإنّ البهيمة يحتال عليها فتؤخذ فلا تدري كيف تدفع الحيلة عن نفسها وكيف تتخلص إذا قيدت ، وقد تلقي نفسها في بئر ولا تدري أن ذلك يهلكها ، ولذلك قد تأكل البهيمة ما تستلذه في الحال ويضرها في ثاني الحال فتمرض وتموت ، إذ ليس لها إلا الإحساس بالحاضر ، فأما إدراك العواقب فلا ، فميزك اللّه تعالى وأكرمك بصفة أخرى هي أشرف من الكل وهو العقل ، فبه تدرك مضرة الأطعمة ومنفعتها في الحال والمآل ، وبه تدرك كيفية طبخ الأطعمة وتأليفها وإعداد أسبابها ، فتنتفع بعقلك في الأكل الذي هو سبب صحتك وهو أحسن فوائد العقل ، وأقل الحكم فيه بل الحكمة الكبرى فيه معرفة اللّه تعالى ومعرفة أفعاله ومعرفة الحكمة في عالمه ، وعند ذلك تنقلب فائدة الحواس الخمس في حقك فتكون الحواس الخمس كالجواسيس وأصحاب الأخبار الموكلين بنواحي المملكة ، وقد وكلت كل واحدة منها بأمر تختص به ، فواحدة منها بأخبار الألوان ، والأخرى بأخبار الأصوات ، والأخرى بأخبار
شرح
( وهذا كله تشاركك فيه الحيوانات إذ للشاة هذه الحواس كلها ، فلو لم يكن لك إلا هذا كنت ناقصا فإن البهيمة تحتال عليها فتؤخذ فلا تدري كيف تدفع الحيلة عن نفسها ، وكيف تتخلص إذا قيدت ، وقد تلقي نفسها في بئر ولا تدري أن ذلك يهلكها ، ولذلك قد تأكل البهيمة ما تستلذه في الحال ويضرها في ثاني الحال فتمرض وتموت إذ ليس لها إلا الإحساس بالحاضر ) فقط ، ( فاما إدراك العواقب فلا ، فميزك اللّه تعالى وأكرمك بصفة أخرى هي أشرف من الكل وهو العقل ) وهو الاستدراك المحض لإدراك المعقولات وهو قوة محضة خالية عن الفعل كما في الأطفال ، ويقال له : العقل الهيولاني لأن النفس في هذه المرتبة تشبه الهيولى الأولى الخالية في حد ذاتها عن الصور كلها ( فبه تدرك مضرة الأطعمة ومنفعتها وما يضره في المآل وبه تدرك كيفية طبخ الأطعمة وتأليفها وإعداد أسبابها فتنتفع بعقلك في الأكل الذي هو سبب صحتك ، وهو أخس فوائد العقل وأقل الحكم فيه بل الحكمة الكبرى فيه معرفة اللّه تعالى ) بطريق أسمائه وصفاته ( ومعرفة أفعاله ، ومعرفة الحكمة في عالمه ) الحسي ، ( وعند ذلك تنقلب فائدة الحواس في حقك فتكون الحواس الخمس كالجواسيس وأصحاب الأخبار الموكلين بنواحي المملكة ، وقد وكلت كل واحدة منها ) أي من تلك الحواس ( بأمر مختص بها ) دون غيرها . ( فواحدة منها ) موكلة ( بأخبار الألوان ) والأشكال والمقادير وغيرها وهي حاسة البصر فإن النفس تشعر بما ذكر إذا وقعت العين في مقابلة الشيء ، ( والأخرى باخبار الأصوات ) الثقيلة والخفيفة الحاصلة عن تصادم الأجسام وهي حاسة السمع ،