الذوق ، إذ يصل الغذاء إليك فلا تدرك انه موافق لك أو مخالف فتأكله فتهلك ، كالشجرة يصب في أصلها كل مائع ولا ذوق لها فتجذبه وربما يكون ذلك سبب جفافها ، ثم كل ذلك لا يكفيك لو لم يخلق في مقدّمة دماغك إدراك آخر يسمى حسا مشتركا تتأدى إليه هذه المحسوسات الخمس وتجتمع فيه ، ولولاه لطال الأمر عليك فإنك إذا أكلت شيئا أصفر مثلا فوجدته مرّا مخالفا لك فتركته ، فإذا رأيته مرة أخرى فلا تعرف أنه مر مضر ما لم تذقه ثانيا لولا الحس المشترك إذ العين تبصر الصفرة ولا تدرك المرارة فكيف تمتنع عنه والذوق يدرك المرارة ولا يدرك الصفرة ، فلا بدّ من حاكم تجتمع عنده الصفرة والمرارة جميعا ، حتى إذا أدرك الصفرة حكم بأنه مر فتمتنع عن
شرح
يصل الغذاء إليك فلا تدرك أنه موافق لك أو مخالف فتأكله فتهلك كالشجرة يضرب في أصلها كل مائع ولا ذوق لها فتجذبه ، ربما يكون ذلك سبب جفافها ) أي يبسها وليست النفس داركة بمجرد هذه الآلات ، بل هذه محال لها خواص واستعدادات مختلفة وأمزجة مخصوصة إذا وصل إليها الروح النفساني اللطيف وجال فيها استعد بذلك لأن تفيض النفس عليه هيئة مستعدة بتلك الهيئة لأن يكون مرآة للنفس تشاهد بواسطة استعماله على وجوه مخصوصة العالم الحسي وخواصه لمناسبة ما بين النفس ، وذلك الروح الذي حصل له بتردده في تلك الآلة هيئة مخصوصة تقتضي أن تشاهد به النفس عند الاستعمال نوعا من المعلومات ، ( ثم كل ذلك لا يكفيك لو لم يخلق في مقدمة دماغك إدراك آخر يسمى حسا مشتركا تتأدى إليه هذه المحسوسات الخمس وتجتمع فيه ) ، وهذا على رأي المشائين فإنهم يزعمون أن الحواس الباطنة أيضا خمسة .
أولها : الحس المشترك وهو الذي تجتمع عنده مثل جميع المحسوسات الظاهرة فيدركها مشاهدة ، والصور التي يراها النائمون والمحرورون فيه يتمثل على رأيهم ومحله البطن المقدم من الدماغ .
والثانية : الخيال وهي خزانة الحس المشترك ومحله البطن المقدم أيضا ، ولكنه يميل إلى اليسار قليلا .
والثالثة : الوهم ومحله البطن الأوسط من الدماغ ، والرابعة الحافظة وهي خزانة الوهم ومحلها في البطن المؤخر منه . والخامسة : المدركة ومحلها البطن الأوسط منه أيضا ، وأما الاشراقيون فلا يثبتون إدراك شيء منها إلا المتخيلة فقط ، وقد تقدم الكلام عليه ( ولولاه لطال الأمر عليك ، فإنك إذا أكلت شيئا أصفر مثلا فوجدته مرا مخالفا لك فتركته فإذا رأيته مرة أخرى فلا تعرف أنه مر ما لم تذقه ثانيا ، لولا الحس المشترك إذ العين تبصر الصفرة ولا تدرك المرارة ، فكيف تمتنع عنه ، والذوق يدرك المرارة ولا يدرك الصفرة فلا بد من حاكم تجتمع عنده الصفرة والمرارة جميعا ، حتى إذا أدرك الصفرة حكم بأنه مر فيمتنع من تناوله ثانيا ) ، وكل ذلك على رأي المشائين . وأما أفلاطون وجماعة من الأقدمين ، فقد أقاموا دلائل أبطلوا بها الحافظة والخيال وانطباع الأشباح في العين وهي بعينها تبطل الحس المشترك أيضا ، وكل صورة في الدماغ فلا تبقي إلا المتخيلة وهي بعينها المتوهمة التي حكمها لا يخالف حكم المتوهمة .