خلق النبات وهو أكمل وجودا من الحجر والمدر والحديد والنحاس وسائر الجواهر التي لا تنمي ولا تغذي ، فإن النبات خلق فيه قوّة بها يجتذب الغذاء إلى نفسه من جهة أصله وعروقه التي في الأرض وهي له آلات ، فبها يجتذب الغذاء وهي العروق الدقيقة التي تراها في كل ورقة ، ثم تغلظ أصولها . ثم تتشعب ، ولا تزال تستدق وتتشعب إلى عروق شعرية تنبسط في أجزاء الورقة حتى تغيب عن البصر ، إلا أنّ النبات مع هذا الكمال ناقص فإنه إذا أعوزه غذاء يساق إليه ويماس أصله جف ويبس ولم يمكنه طلب الغذاء من موضع آخر ، فإن الطلب إنما يكون بمعرفة المطلوب وبالانتقال إليه والنبات عاجز عن ذلك ، فمن نعمة اللّه تعالى عليك أن خلق اللّه آلات الإحساس وآلة الحركة في طلب الغذاء ، فانظر إلى ترتيب حكمة اللّه تعالى في خلق الحواس الخمس التي هي آلة الادراك ،
شرح
كالشحر أم لا كالنجم لكن خص عرفا بما لا ساق له ، ( وهو أكمل وجودا من الحجر والمدر والحديد والنحاس وسائر الجواهر التي تنمو ) نموا ( ولا تغذي ، فإن النبات خلق فيه قوة بها يجتذب الغذاء إلى نفسه من جهة أصله وعروقه التي ) هي ( في ) باطن ( الأرض وهي له آلات بها يجتذب الغذاء وهي العروق الدقيقة التي تراها في كل ورقة تغلظ أصولها ) وهي له منابت الأوراق ، ( ثم تتشعب وتتفرق ولا تزال تستدق وتتشعب ) أي تنقسم ( إلى عروق ) دقيقة ( شعرية ) أي مثل الشعر في الدقة ( تنبسط في أجزاء الورقة حتى تغيب عن البصر ، إلا أن النبات مع هذا الكمال ) بالإضافة إلى الجواهر المذكورة ( ناقص فإنه لو أعوزه ) أي أحوجه ( غذاء يساق إليه ويماس أصله جف ويبس ) وذهبت نضارته ( ولم يمكنه طلب الغذاء من موضع آخر فإن الطلب إنما يكون لمعرفة المطلوب وبالانتقال إليه ، والنبات عاجز عن ذلك ) أي لا قدرة له على الانتقال من موضعه ، ( فمن نعمة اللّه عليك أن خلق لك آلة الإحساس وآلة الحركة في طلب الغذاء ، فانظر إلى ترتيب حكمة اللّه ) تعالى ( في خلق الحواس الخمس ) الظاهرة ( التي هي آلة الادراك ) وتحقيق المقام أن الافعال الصادرة إنما تصدر عن القوى لا عن الجسم ، فإن الجسم لا يفعل من حيث الجسمية بل بالقوة التي فيه أو بقوة متعلقة به ، فالقوة مبدأ الفعل وكل فاعل إما قوة أو ذو قوة تفعل بقوته فالفاعل هو القوة والجسم آلة في الافعال ، فباستعماله على الوجه الأليق تستكمل إذا عرفت هذا .
فاعلم أن النفس قد عرف تجردها وكونها في أول إنشائه ناقصة محتاجة إلى الاستكمال بالأجسام ولم يمكنها معرفة الجسم وما فيه من المعاني من غير آلة جزئية ، فخلق الباري جل جلاله حواس ظاهرة تدرك بواسطتها الأجسام وعوارفها المكتسبة من الفيض العقلي بحسب استعدادها من الألوان والأشكل والطعوم والروائح وغير ذلك ، وحواس باطنة تدرك بها أنواعا أخرى من المعارف ، وهذه الحواس آلات للنفس تستخدمها في مهماتها ومقاصدها ويحصل لها شعور بالمحسوسات بواسطتها ، فالحواس الظاهرة خمسة . ( فأولها حاسة اللمس ) وهي منبثة في جميع