تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
الفاني في أقرب الآماد فهو مصاب في عقله محروم لشقاوته وأدباره وأقل أمر فيه : أن العلم والعقل لا يحتاج إلى أعوان وحفظة بخلاف المال ، إذ العلم يحرسك وأنت تحرس المال ، والعلم يزيد بالإنفاق والمال ينقص بالإنفاق ، والمال يسرق والولاية يعزل عنها ، والعلم لا تمتد إليه أيدي السراق بالأخذ ولا أيدي السلاطين بالعزل ، فيكون صاحبه في روح الأمن أبدا ، وصاحب المال والجاه في كرب الخوف أبدا ، ثم العلم نافع ولذيذ وجميل في كل حال أبدا ، والمال تارة يجذب إلى الهلاك وتارة يجذب إلى النجاة ، ولذلك ذم اللّه تعالى المال في القرآن في مواضع وإن سماه خيرا في مواضع . وأما قصور أكثر الخلق عن إدراك لذة العلم ، فإما لعدم الذوق فمن لم يذق لم يعرف ولم يشتق ، إذ الشوق تبع الذوق ، وأما لفساد أمزجتهم ومرض قلوبهم بسبب أتباع الشهوات ، كالمريض الذي لا
شرح
( وأقل أمر فيه أن ) كلا من ( العلم والعقل ) إذا حصل لا يغيب و ( لا يحتاج ) في حفظه ( إلى أعوان وحفظه بخلاف المال ) وغيره من المقتنيات الحالية ، ( إذ العلم يحرسك وأنت تحرس المال ، والعلم يزيد بالانفاق والمال ينقص بالإنفاق والمال يصرف والولاية يعزل عنها ، والعلم لا تمتد إليه أيدي السراق بالأخذ ولا أيدي السلاطين بالعزل فيكون صاحبه في روح الأمن أبدا ، وصاحب المال والجاه في كرب الخوف أبدا ) وتقدم الكلام على ضده المجمل تفضيلا في كتاب العلم . ( ثم العلم نافع ولذيذ وجميل ) عاجلا وآجلا ومطلقا ( في كل حال أبدا ) أي في كل زمان وكل مكان ، ولذا كان أفضل الفضائل النفسية ، ( والمال ) وكذا الجاه وهما من الخيرات المتوسطة ( تارة يجذب إلى الهلاك ) إذا كان مع الجهل ، ( وتارة يجذب إلى النجاة ) إذا كان مع العلم ، ( ولذلك ذم اللّه تعالى المال في القرآن في مواضع ) كثيرة ونبه على كونه سببا للشر فقالإِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ[ التغابن : 15 ] وقال تعالىفَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ[ التوبة : 85 ] الآية ولذلك قيل : السعيد هو الخير العاقل غنيا كان أو فقيرا قويا كان أو ضعيفا ، ( وإن سماه خيرا في مواضع ) كقوله تعالىإِنْ تَرَكَ خَيْراً[ البقرة : 180 ] ولكنه قد يكون خيرا لبعض الناس وشرا لبعضهم ، فمعلوم أنه كان شرا لمن قال تعالى فيه :الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ[ الهمزة : 2 ، 3 ] ( وأما قصور أكثر الخلق عن إدراك لذة العلم ) والحكمة ( فإما لعدم الذوق ) وهو تناول الشيء بالفم لادراك الطعم هذا هو الأصل ( ومن لم يذق لم يعرف ولم يشتق إذ الشوق تبع للذوق ) وإليه الإشارة بقول القائل :ولو يذوق عاذلي صبابتي * صبا معي لكنه ما ذاقها( وإما لفساد أمزجتهم وتمرض قلوبهم بسبب اتباع الشهوات ) فإن لها تأثيرا ظاهرا في تغيير الأمزجة ( كالمريض الذي لا يدرك حلاوة العسل ويراه مرا ) كما قال المتنبي :ومن يكن ذا فم مر مريض * يجد مرا به الماء الزلالا