تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
يهديه إليه ويقربه منه ويهيء له أسبابه ، فلذلك تمنع الأم ولدها من الحجامة والأب يدعوه إليها فإن الأب لكمال عقله يلمح العاقبة ، والأم لفرط حبها وقصورها تلحظ الحال ، والصبي لجهله يتقلد منة من أمه دون أبيه ويأنس إليها وإلى شفقتها ويقدر الأب عدوا له ، ولو عقل لعلم أن الأم عدوا باطنا في صورة صديق ، لأن منعها إياه من الحجامة يسوقه إلى أمراض وآلام أشدّ من الحجامة ، ولكن الصديق الجاهل شر من العدوّ العاقل . وكل إنسان فإنه صديق نفسه ولكنه صديق جاهل ، فلذلك تعمل به ما لا يعمل به العدوّ . قسمة ثانية : اعلم أن الأسباب الدنيوية مختلطة قد امتزج خيرها بشرها ، فقلما يصفو خيرها كالمال والأهل والولد والأقارب والجاه وسائر الأسباب ، ولكن تنقسم إلى ما نفعه
شرح
نعمة ويتقلد المنّة ممن يهديه إليه ويقربه منه ويهيء له أسبابه ) ويمكنه منه ، ( فلذلك تمنع الأم ولدها من الحجامة ) في البلاد الحارة ( والأب يدعوه إليها فإن الأب لكمال عقله يلمح العاقبة ) أي المآل ( والأم لفرط حبها ) له ( وقصورها ) في عقلها ( تلحظ الحال ) دون المآل ( والصبي لجهله يتقلد منة أمه دون أبيه ويأنس إليها و ) يميل ( إلى شفقتها ويقدر الأب عدوا له ، ولو عقل لعلم أن الأم عدو باطن في صورة صديق ) فهي كما قال القائل :إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت * له عن عدو في ثياب صديق( لأن منعها إياه ) اي ولدها ( من الحجامة ) في الوقت المحتاج ( يسوقه إلى أمراض وآلام أشد من الحجامة ) فيما بعد ، ( ولكن الصديق الجاهل شر من العدو العاقل ) فإن عقل العدو ربما يصده عن كثير مما يعادي به ، ( وكل إنسان فإنه صديق نفسه ، ولكنه صديق جاهل ، فلذلك يعمل به ما لا يعمل به العدو ) فحق العاقل أن يعرف تلك الأمور بحقائقها حتى لا يقع الخطأ عليه في اختياره الوضيع على الرفيع وتقديمه الخسيس على النفيس والناس في متحرياتها طالب خير وهارب من شر كما قال الشاعر :كل يحاول حيلة يرجو بها * دفع المضرة واجتلاب المنفعة والمرء يغلط في تصرف حاله * فلربما اختار العناء على الدعةلكن يحسب الشحم فيمن شحمه ورم ويقدر في الشيء أنه رزق نافع وحشوه سم ناقع ، فلذلك يحق على العاقل أن يجلي بصيرته ويعرف من كل ما يطلب حقيقته لئلا يكون كمن يريد حبلا ينتطق به ، فرأى حية فظنّها مبتغاه فأخذها فلدغته . ( قسمة ثانية ) : ( اعلم أن الأسباب الدنيوية مختلطة قد امتزج خيرها بشرها فقلما يصفو خيرها ) لشدة الاختلاط ، وذلك ( كالمال والأهل والولد والأقارب والجاه وسائر الأسباب ، ولكن ينقسم )