وربما لم يقدر على أن يستجرّ وراءه آخر ، فهذه أمور نسبة السير عليها إلى السير على ما هو مجال جماهير الخلق كنسبة المشي على الماء إلى المشي على الأرض ، والسباحة يمكن أن تتعلم ؛ فأما المشي على الماء فلا يكتسب بالتعليم بل ينال بقوّة اليقين ، ولذلك قيل للنبي صلّى اللّه عليه وسلم : إن عيسى عليه السلام يقال إنه مشى على الماء ! فقال صلّى اللّه عليه وسلم : « لو ازداد يقينا لمشى على الهواء » ، فهذه رموز وإشارات إلى معنى الكراهة والمحبة والرضا والغضب والشكر والكفران ، لا يليق بعلم المعاملة أكثر منها ، وقد ضرب اللّه تعالى مثلا لذلك تقريبا إلى أفهام الخلق إذ عرّف أنه ما خلق الجن والأنس إلا ليعبدوه ، فكانت عبادتهم غاية الحكمة في حقهم ، ثم أخبر أن له عبدين يحب أحدهما واسمه جبريل وروح القدس
شرح
الماهر بصنعة السباحة أن يعبر بنفسه وبما لم يقدر على أن يستجر وراءه ) رجلا ( آخر ) لعدم قوته أو خوفه من الهلاك ، ( فهذه أمور نسبة السير عليها إلى السير على ما هو مجال جماهير الخلق كنسبة المشي على الماء إلى المشي على الأرض والسباحة ) على الماء ( يمكن أن تتعلم ، فأما المشي على الماء فلا يكتسب بالتعلم بل ينال بقوة اليقين ، ولذلك قيل للنبي صلّى اللّه عليه وسلم : إن عيسى عليه السلام يقال أنه مشى على الماء فقال : لو ازداد يقينا لمشى على الهواء ) قال العراقي : هذا حديث منكر لا يعرف هكذا ، والمعروف ما رواه ابن أبي الدنيا في كتاب اليقين من قول بكر بن عبد اللّه المزني قال : فقد الحواريون نبيهم فقيل لهم توجه نحو البحر فانطلقوا يطلبونه ، فلما انتهوا إلى البحر إذا هو قد أقبل يمشي على الماء فذكر حديثا فيه أن عيسى قال : لو أن لابن آدم اليقين قدر شعيرة مشى على الماء وروى الديلمي في مسند الفردوس بسند ضعيف من حديث معاذ بن جبل : لو عرفتم اللّه حق معرفته لمشيتم على البحور ولزالت بدعائكم الجبال انتهى .
قلت : روى ابن أبي الدنيا أيضا ، وابن عساكر عن فضيل بن عياض قال : قيل لعيسى بن مريم بأي شيء تمشي على الماء ؟ قال : بالايمان واليقين ، قالوا : فإنا آمنا كما آمنت وأيقنا كما أيقنت ، قال :
فامشوا إذا فمشوا معه فجاء الموج فغرقوا فقال لهم عيسى : مالكم ؟ فقالوا : خفنا الموج قال : ألا خفتم رب الموج ؟ فأخرجهم ثم ضرب بيده إلى الأرض فقبض منها فإذا في إحدى يديه ذهب وفي الأخرى مدر فقال : أيهما أحلى في قلوبكم ؟ قالوا : الذهب قال : فإنهما عندي سواء .
( فهذه رموز وإشارات إلى معنى الكراهة والمحبة والرضا والغضب والشكر والكفران لا يليق بعلم المعاملة أكثر منها ، وقد ضرب اللّه تعالى مثلا لذلك تقريبا إلى افهام الخلق إذ عرف ) على لسان رسوله صلّى اللّه عليه وسلم « أنه ما خلق الجن والإنس إلا ليعبدوه » وذلك في قوله تعالىوَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[ الذاريات : 56 ] ( فكانت عبادتهم غاية الحكمة في حقهم ، ثم أخبر ) تعالى ( أن له عبدين يحب أحدهما واسمه جبريل وروح القدس والأمين ) وقد ذكر بهذه الأسماء في القرآن فجبريل سريانية معناه عبد اللّه وسمي روح القدس لأن الروح ما به