اقتضت هذا التفصيل ، وكيف انتظم العدل مع هذا التفاوت والتفضيل ، وكان بعضهم لقصوره لا يطيق ملاحظة كنه هذا الأمر والإحتواء على مجامعه ، فألجموا عما لم يطيقوا خوض غمرته بلجام المنع وقيل لهم اسكتوا فما لهذا خلقتم
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ
[ الأنبياء : 23 ] وامتلأت مشكاة بعضهم نورا مقتبسا من نور اللّه تعالى في السماوات والأرض وكان زيتهم أولا صافيا يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار ، فمسته نار فاشتعل نورا على نور ، فأشرقت أقطار الملكوت بين أيديهم بنور ربها فأدركوا الأمور كلها كما هي عليه فقيل لهم : تأدبوا بآداب اللّه تعالى واسكتوا ، وإذا ذكر القدر فأمسكوا
شرح
الأسباب وتوجيهها إلى المسببات ، وهو تعالى الحكيم المطلق لأنه سبب كل الأسباب جملتها وتفصيلها ومن الحكم يتشعب القضاء والقدر فتدبيره أصل وضع الأسباب لتتوجه إلى المسببات هو حكمه وايجاده للأسباب الكلية الأصلية الثابتة المستقرة التي لا تحول ولا تزول إلى وقت معلوم ووضعه إياها ونصبه لها هو قضاؤه وتوجيه هذه الأسباب بحركاتها المتناسبة المحدودة المقدرة المحسوبة إلى المسببات الحادثة منها لحظة بعد لحظة هو قدره ، فالحكم هو التدبير الأولى الكلي والأمر الأزلي الذي هو كلمح البصر والقضاء هو الوضع الكلي للأسباب الكلية الدائمة والقدر هو توجيه الأسباب الكلية بحركاتها المقدرة المحسوبة إلى مسبباتها المعدودة المحدودة بقدر معلوم لا يزيد ولا ينقص ، ولذلك لا يخرج شيء عن قضائه وقدره ( فخطر لبعض العباد أن القسمة لماذا اقتضت هذا التفصيل وكيف انتظم العدل مع هذا التفاوت والتفصيل ، وكان بعضهم لقصوره ) في العرفان ( لا يطيق ملاحظة كنه هذا الأمر والاحتواء ) أي الاشتمال وفي نسخة الاحتراز من الحوز والمعنى واحد ( على مجامعه ، فألجموا عما لم يطيقوا خوض غمرته ) وهي معظم الماء ( بلجام المنع ، وقيل لهم ) بلسان الحال : ( اسكتوا فما لهذا خلقتم ) فلا تخوضوا فيه قال اللّه تعالى :لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَففيه إشارة إلى هذا الالجام ، ( وامتلأت مشكاة بعضهم نورا مقتبسا من نور اللّه تعالى ) المنتشر ضياؤه ( في السماوات والأرض ) يشير إلى قوله تعالىاللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ[ النور : 35 ] الآية والمشكاة هي الكوة في الحائط يوضع فيها المصباح ، ( وكان زيتهم ) وهو الاستعداد ( أولا صافيا ) من كدورات الأوهام « يكاد يضئ » أي يشعل لكمال صفائهوَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌبعد ( فمسته نار فاشتعل نورا على نور فأشرقت أقطار الملكوت ) وهو عالم الغيب المختص ( بين أيديهم بنور ربها ) يشير إلى قوله تعالى :وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها[ الزمر : 69 ] ( فأدركوا الأمور كلها كما هي عليها ) بكنهها وحقيقتها ( فقيل لهم : تأدبوا بآداب اللّه واسكنوا وإذا ذكر القدر فامسكوا ) وهو بعض حديث أبي مسعود رواه الطبراني ، وأبو نعيم ، وابن صصري في أماليه وحسنه بلفظ « إذا ذكر أصحابي فامسكوا ، وإذا ذكرت النجوم فامسكوا ، وإذا ذكر القدر فامسكوا » . ورواه الطبراني أيضا من حديث ثوبان ، وابن عدي من