فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً
[ البقرة : 269 ] ، ولكن لا تصادف جواهر الحكم في قلوب هي مزابل الشهوات وملاعب الشياطين ، بل لا يتذكر إلا أولو الألباب ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلم : « لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماء » وإذا عرفت هذا المثال فقس عليه حركتك وسكونك ونطقك وسكوتك ، وكل فعل صادر منك فإنه إما شكر وإما كفر إذ لا يتصوّر أن ينفك عنهما ، وبعض ذلك نصفه في لسان الفقه الذي تناطق به عوام الناس بالكراهة وبعضه بالحظر وكل ذلك عند أرباب القلوب موصوف بالحظر ، فأقول مثلا : لو استنجيت باليمنى فقد كفرت نعمة اليدين : إذ خلق اللّه لك اليدين ، وجعل إحداهما أقوى من الأخرى ، فاستحق الأقوى بمزيد رجحانه في الغالب التشريف والتفضيل ، وتفضيل الناقص عدول عن العدل ، واللّه لا يأمر إلا بالعدل ، ثم أحوجك من أعطاك اليدين إلى أعمال : بعضها شريف كأخذ المصحف ، وبعضها خسيس كإزالة النجاسة ، فإذا أخذت المصحف باليسار وأزلت النجاسة باليمين فقد خصصت الشريف بما هو خسيس فغضضت من حقه وظلمته وعدلت عن العدل ،
شرح
من قد عرف الحكمة ) وأتى من بابها ( ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ) يشير إلى قوله تعالى :وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً( ولكن لا تصادف جواهر الحكم في قلوب هي مزابل الشهوات ) ومقارها ( وملاعب الشياطين ) ومحال وساوسها ( بل لا يذكر إلا أولو الألباب ) أشار به إلى تمام الآية المذكورة ، ( ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلم « لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماء » ) رواه أحمد من حديث أبي هريرة بنحوه وقد تقدم في كتاب أسرار الصوم ، ( وإذا عرفت هذا المثال فقس عليه حركتك وسكونك ونطقك وسكونك وكل فعل صادر منك فإنه ) لا يخلو ( إما شكر وإما كفر إذ لا يتصوّر أن ينفك عنهما وبعض ذلك نصفه في لسان الفقه الذي تناطق به عوام الناس ) وهم المشتغلون بالعلوم الظاهرة ( بالكراهة وبعضه بالحظر وكل ذلك عند أرباب القلوب ) وهم المشتغلون بعلوم الآخرة ( موصوف بالحظر . فأقول مثلا : لو استنجيت باليمين فقد كفرت نعمة اليدين إذ خلق اللّه لك اليدين وجعل إحداهما أقوى من الأخرى ) وهي اليمنى ، وهذا هو الأغلب فلا يناقضه الأعسر ، وهو الذي يسراه أقوى من اليمنى لندوره ( فاستحق الأقوى بمزيد رجحانه في الغالب التشريف والتفضيل وتفضيل الناقص عدول عن ) منهج ( العدل واللّه ) تعالى ( لا يأمر إلا بالعدل ) لقوله تعالى :إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ[ النحل :
90 ] ( ثم أحوجك من أعطاك اليدين إلى أعمال بعضها شريف كأخذ المصحف وبعضها خسيس كإزالة النجاسة ، فإذا أخذت المصحف باليسار وأزلت النجاسة باليمين فقد خصصت الشريف بما هو خسيس فغضضت من حقه ) أي نقصت ( وظلمته وعدلت عن