وأما جيد برديئين فقد يقصد ، ولكن لما كانت الأطعمة من الضروريات والجيد يساوي الرديء في أصل الفائدة ويخالفه في وجوه التنعم أسقط الشرع غرض التنعم فيما هو القوام ، فهذه حكمة الشرع في تحريم الربا ، وقد انكشف لنا هذا بعد الإعراض عن فن الفقه فلنلحق هذا بفن الفقهيات ، فإنه أقوى من جميع ما أوردناه في الخلافيات ، وبهذا يتضح رجحان مذهب الشافعي رحمه اللّه في التخصيص بالأطعمة دون المكيلات ، إذ لو دخل الجص فيه لكانت الثياب والدواب أولى بالدخول ؛ ولولا الملح لكان مذهب مالك رحمه اللّه أقوم المذاهب فيه إذ خصصه بالأقوات ، ولكن كل معنى يرعاه الشرع فلا بد
شرح
يدا بيد ومع جوازه يكون عابثا . ( ومقابلة الجيد بمثله من الرديء لا يرضى به صاحب الجيد ) .
( وأما جيد برديئين فقد يقصد ، ولكن لما كانت الأطعمة من الضروريات يضطر إليها الإنسان أبدا والجيد يساوي الرديء في أصل الفائدة ) الذي هو الغذاء ( ويخالفه في وجوه التنعم أسقط الشرع غرض التنعم فيما هو القوام ، فهذه حكمة الشرع في تحريم الربا ) وقد أشار إلى نحو ذلك القفال في محاسن الشريعة ، ( وقد انكشف لنا هذا بعض الإعراض عن ) الاشتغال في ( فن الفقه ) وذلك عند خروجه من دار السلام ببغداد ، ( فلنلحق هذا بفن الفقهيات فإنه أقوى من جميع ما أوردناه في الخلافيات ، وبهذا يتضح رجحان مذهب الشافعي رحمه اللّه تعالى ) على غيره ( في التخصيص بالأطعمة دون المكيلات ، إذ لو دخل الجص فيه لكان الثياب والدواب أولى بالدخول فيه ، ولولا الملح لكان مذهب مالك رحمه اللّه تعالى أقوى المذاهب فيه إذ خصصه بالأقوات ) وتفصيل ذلك أنهم اختلفوا في علة جريان الربا المحرم في غير الأعيان الستة المنصوص عليها ، فقال أبو حنيفة وأحمد : العلة في الذهب والفضة والوزن والجنس وكل ما جمعه الوزن والجنس فالتحريم ثابت فيه إذا باعه متفاضلا لا الذهب والفضة ، ثم يتعدى منها إلى الحديد والرصاص والنحاس وما أشبهه . وقال مالك والشافعي : العلة في الذهب والفضة الثمينة فلا يجري الربا عندهما في الحديد والنحاس وما أشبههما ، وقال أبو حنيفة في أظهر الروايات عنه وهي اختيار الخرقي من الحنابلة وشيوخ أصحابه العلة في الأعيان الأربعة الباقية الكيل والجنس ، فكل ما جمعه الكيل والجنس فالتحريم فيه ثابت إذا بيع متفاضلا كالحنطة والشعير والنورة والجص والأشنان وما أشبهه ، وعن أحمد رواية ثانية في علية الأعيان الأربعة انها مأكول مكيل أو مأكول موزون ، فعلى هذه الرواية لا ربا فيما يؤكل وليس بمكيل ولا موزون مثل الرمان والسفرجل والبطيخ والخيار ولا في غير المأكول مما يكال ويوزن كالنورة والجص والأشنان ، وعنه رواية ثالثة في علة الأعيان الأربعة أنه مأكول جنس ، فعلى هذه الرواية يحرم ما كان مأكولا خاصة ويدخل في التحريم سائر المأكولات ويخرج منه ما ليس مأكولا . وقال مالك : العلة في الأعيان الأربعة كونها مقتاتة وما يصلح للقوت في جنس مدخر فيدخل تحريم الربا في ذلك كله