تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
المحرم فقد كفر نعمة العين ونعمة الشمس ، إذ الأبصار يتم بهما وإنما خلقتا ليبصر بهما ما ينفعه في دينه ودنياه ويتقي بهما ما يضره فيهما ، فقد استعملهما في غير ما أريدتا به ، وهذا لأن المراد من خلق الخلق وخلق الدنيا وأسبابها أن يستعين الخلق بهما على الوصول إلى اللّه تعالى ولا وصول إليه إلا بمحبته والأنس به في الدنيا والتجافي عن غرور الدنيا ، ولا أنس إلا بدوام الذكر ولا محبة إلا بالمعرفة الحاصلة بدوام الفكر ، ولا يمكن الدوام على الذكر والفكر إلا بدوام البدن ، ولا يبقى البدن إلا بالغذاء ، ولا يتم الغذاء إلا بالأرض والماء والهواء ، ولا يتم ذلك إلا بخلق السماء والأرض وخلق سائر الأعضاء ظاهرا وباطنا ، فكل ذلك لأجل البدن والبدن مطية النفس ، والراجع إلى اللّه تعالى هي النفس المطمئنة بطول العبادة والمعرفة ، فلذلك قال تعالى :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ
[ الذاريات : 56 ، 57 ] الآية ، فكل من استعمل شيئا في غير طاعة اللّه فقد كفر نعمة اللّه في جميع الأسباب التي لا بدّ منها لإقدامه على تلك المعصية ، ولنذكر مثالا واحدا للحكم الخفية التي ليست في غاية الخفاء حتى تعتبر بها وتعلم طريقة الشكر والكفران على المنعم ، فنقول : من نعم اللّه تعالى خلق الدراهم
شرح
الإبصار يتم بهما ، وإنما خلقتا ليبصر بهما ما ينفعه في دينه ودنياه ويتقي بهما ما يضره فيهما فقد استعملهما في غير ما أريدا له ، وهذا لأن المراد من خلق الخلق وخلق الدنيا وأسبابها أن يستعين الخلق بها على الوصول إلى اللّه تعالى ولا وصول إليه إلا بمحبته والانس به في الدنيا والتجافي ) أي التباعد ( عن غرور الدنيا ولا أنس إلا بدوام الذكر ولا محبة إلا بالمعرفة الحاصلة بدوام الفكر ) والمراقبة لجلاله وكماله ، ( ولا يمكن الدوام على الذكر والفكر إلا بدوام البدن ) الذي هو بمنزلة المركب له ( ولا يبقى البدن إلا بالأرض ) في استقراره عليها ( والماء والهواء والغذاء ) في انتعاشه بها ( ولا يتم ذلك إلا بخلق السماء والأرض وخلق سائر الأعضاء ظاهرا وباطنا فكل ذلك لأجل ) بقاء ( البدن والبدن مطية النفس ) تركب عليه وتستعين به إلى الوصول إلى الآخرة ( والراجع إلى اللّه تعالى هي النفس المطمئنة بطول العبادة والمعرفة ) كما يدل عليه قوله تعالى :يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ[ الفجر : 27 ، 28 ] في أحد وجوه التفسير ( فلذلك قال اللّه تعالى :وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) أي ليدوموا على العبادة والمعرفة ( فكل من استعمل شيئا في غير طاعة اللّه فقد كفر نعمة اللّه ) تعالى ( في جميع الأسباب التي لا بد منها لإقدامه على تلك المعصية ولنذكر مثالا واحدا للحكم الخفية التي ليست في غاية الخفاء حتى يعتبر بها ويعلم طريق الشكر والكفران على المنعم فنقول : من ) جملة ( نعم اللّه تعالى خلق الدراهم والدنانير وبهما قوام الدنيا ) وملاكها ( وهما حجران ) كسائر الحجارة ( لا منفعة في