وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ
[ القصص : 54 ] فما وصفهم بعدم السيئة أصلا .
الطبقة الثالثة : أن يتوب ويستمر على الاستقامة مدة ، ثم تغلبه الشهوة في بعض الذنوب فيقدم عليها عن صدق وقصد شهوة لعجزه عن قهر الشهوة ، إلا أنه مع ذلك مواظب على الطاعات وتارك جملة من الذنوب مع القدرة والشهوة ، وإنما قهرته هذه الشهوة الواحدة أو الشهوتان وهو يودّ لو أقدره اللّه تعالى على قمعها وكفاه شرها . هذا أمنيته في حال قضاء الشهوة . وعند الفراغ يتندم ويقول : ليتني لم أفعله وسأتوب عنه وأجاهد نفسي في قهرها ، لكنه تسول نفسه ويسوف توبته مرة بعد أخرى ويوما بعد يوم . فهذه النفس هي التي تسمى : النفس المسولة وصاحبها من الذين قال اللّه تعالى فيهم :
وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً
[ التوبة : 102 ] فأمره
شرح
السيئة الحسنة في قوله عز وجل :وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ[ القصص : 54 ] وجعل هذا من نعوت العاملين الذين صبروا فقال : ( أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرأون بالحسنة السيئة ) فجعل لهم صبرين على الذنب وعلى التوبة فآتاهم أجرين ، ( فما وصفهم بعدم السيئة أصلا ) فازدراء هذا العبد على نفسه ومقته عن معرفته بها وترك نظره إليها وسكون إلى خير إن ظهر عليها يكون من كفارات ذنوبه لأنه من تدبر الخطاب في قوله تعالى :فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى[ النجم : 32 ] .
( الطبقة الثالثة ) : وهي تلي من هذه الثانية في الحال ( أن يتوب ) عن الذنوب ( ويستمر بالإستقامة ) على توبته ( مدة ثم تغلبه الشهوة ) وفي نسخة شهوته ( في بعض الذنوب فيقدم عليها من صدق ) عزم ( وقصد شهوة ) فيذنب ثم يحزن عليه بقصده له وسعيه فيه وإيثاره إياه ( لعجزه عن قهر الشهوة ، إلا أنه مع ذلك مواظب على الطاعات ، وتارك جملة من الذنوب مع القدرة والشهوة ، وإنما قهرته هذه الشهوة الواحدة أو الشهوتان وهو يوّد أن لو أقدره اللّه تعالى ) أي جعله مليا قادرا ( على قمعها ) وكفها ( وكفاه شرها هذه أمنيته ) وتمام رجائه ( في حال قضاء الشهوة وعند الفراغ ) منه ( بتندم ) ويتحسر ( ويقول : ليتني لم أفعله وساتوب منه وأجاهد نفسي في قهرها لكنه تسول نفسه ويسوف توبته مرة بعد أخرى ويوما بعد يوم ) ويحدث نفسه بالإستقامة ويحب منازل التوابين ويرتاح قلبه إلى مقامات الصديقين ولم يأت حينه ولا ظهر مقامه لأن الهوى يحركه والعادة تجذبه والغفلة تغمره إلا أنه يندم خلال الذنوب ويعاود هذا المتقدم المعتاد ( فهذه النفس هي التي تسمى المسوّلة ) وإليها الإشارة بقوله تعالى :بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ[ يوسف : 18 ] وتوبة هذا فوت من وقت إلى وقت ( وصاحبها من الذين قال اللّه تعالى فيهم :وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً ) عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ[ التوبة : 102 ] قيل : خلطوا عملا