من ذنب يأتيه الفينة بعد الفينة » أي الحين بعد الحين ، فكل ذلك أدلة قاطعة على أن هذا القدر لا ينقض التوبة ولا يلحق صاحبها بدرجة المصرين . ومن يؤيس مثل هذا عن درجة التائبين كالطبيب الذي يؤيس الصحيح عن دوام الصحة بما يتناوله من الفواكه والأطعمة الحارة مرة بعد أخرى من غير مداومة واستمرار ، وكالفقيه الذي يؤيس المتفقه عن نيل درجة الفقهاء بفتوره عن التكرار والتعليق في أوقات نادرة غير متطاولة ولا كثيرة . وذلك يدل على نقصان الطبيب والفقيه . بل الفقيه في الدين هو الذي لا يؤيس الخلق عن درجات السعادات بما يتفق لهم من الفترات ومقارفة السيئات
شرح
حميد والسائسي والضياء في المختارة وفي معناه ما رواه الشيخان من حديث أبي هريرة « مثل المؤمن كمثل خامة الزرع من حيث أتتها الريح كفتها فإذا سكنت اعتدلت ، وكذلك المؤمن يكفي بالبلاء ومثل الفاجر كالأرزة صماء معتدلة حتى يقسمها اللّه عز وجل إذا شاء » ومن حديث كعب بن مالك « مثل المؤمن كالخامة من الزرع تفيئها الريح مرة وتعدلها مرة ، ومثل المنافق كالأرزة لا تزال حتى يكون انخفافها مرة واحدة » . وكذلك رواه أحمد أيضا ، وفي لفظ لأحمد من حديث أبي هريرة « مثل المؤمن كمثل الزرع لا تزال الريح تكفئه ولا يزال المؤمن يصيبه بلاء ، ومثل المنافق كمثل شجرة الأرزة لا تستهز حتى تستحصد » . ورواه كذلك الترمذي وقال : حسن صحيح .
وروى أحمد وأبو يعلى من حديث أم ولد أبي بن كعب عن أبي بن كعب مرفوعا : « مثل المؤمن مثل الخامة تحمر مرة وتصفر أخرى والكافر كالأرزة » .
( وفي الخبر : « لا بد للمؤمن من ذنب يأتيه الفينة بعد الفينة » أي الحين بعد الحين ) .
قال العراقي : رواه الطبراني والبيهقي في الشعب من حديث ابن عباس بإسانيد حسنة انتهى .
قلت : ولفظ الطبراني في الكبير : « ما من عبد مؤمن إلا وله ذنب يعتاده الفينة بعد الفينة » . أو ذنب هو يقيم عليه لا يفارقه حتى يفارق الدنيا : « إن المؤمن خلق مفتنا توابا إذا ذكر ذكر » وفي لفظ له : « ما من مسلم إلا وله ذنب يصيبه الفينة بعد الفينة إن المؤمن نساء إذا ذكر ذكر » .
( فكل ذلك أدلة قاطعة على أن هذا القدر لا ينقض التوبة ولا يلحق صاحبها بدرجة المصرين ) ولا يؤيس هذا عن درجة التائبين ، ( ومن يؤيس مثل هذا عن درجة التائبين كالطبيب الذي يؤيس الصحيح عن دوام الصحة بما يتناول من الفواكه والأطعمة الحارة مرة بعد أخرى من غير مداومة واستمرار ) عليها ( و ) أيضا ( كالفقيه الذي يؤيس المتفقة عن نيل درجة الفقهاء بفتوره عن التكرار والتعليق في أوقات نادرة غير متطاولة ولا كثيرة ) والمراد بالتكرار إعادة ما يحصله في درسه مرة بعد أخرى حتى يرسخ في الذهن والتعليق أن يعلق ما يسمع من فوائد الشيوخ في أوراق ، ( وذلك يدل على نقصان ) مقام ( الطبيب والفقيه ) جميعا ( بل الفقيه في الدين هو الذي لا يؤيس الخلق من درجات السعادات بما