بالشرع وسلك سبيل الإباحة واسترسل في اتباع الشهوات ، وكل ذلك جهل وضلال وقد قررنا ذلك في كتاب رياضة النفس من ربع المهلكات .
فإن قلت : فما قولك في تائبين أحدهما نسي الذنب ولم يشتغل بالتفكر فيه ، والآخر جعله نصب عينيه ولا يزال يتفكر فيه ويحترق ندما عليه فأيهما أفضل ؟ فاعلم أن هذا أيضا قد اختلفوا فيه ، فقال بعضهم : حقيقة التوبة أن تنصب ذنبك بين عينيك . وقال
شرح
بالشرع ) ورفض العمل بقواعده ( وسلك سبيل الإباحة واسترسل في اتباع الشهوات ) من حيث اتفقت ، ( وكل ذلك جهل وضلال . وقد قررنا ذلك في كتاب رياضة النفس ) وتهذيب الأخلاق ( من ربع المهلكات ) فلا نعيده ثانيا .
وقد نقل صاحب القوت اختلاف علماء الشام وعلماء البصرة في التائبين المذكورين ثم قال بعد ذلك ما نصه : وقد اختلف العلماء أيضا في عبدين سئل أحدهما بذل شيء من ماله في سبيل اللّه فأبت نفسه عليه وثقل ذلك عليها فجاهدها وأخرج ماله ، وسئل آخر فبذل ماله مع السؤال طوعا من غير منازعة نفس ولا ثقل عليها ولا بمجاهدة منه لها أيهما أفضل ؟ فقال قوم : المجاهد لنفسه أفضل لأنه اجتمع له الإكراه والمجاهدة فحصل له عملان ، وذهب إلى هذا القول أحمد بن عطاء وأصحابه . وقال آخرون : الذي سمحت نفسه بالبذل طوعا من غير اعتراض ولا إكراه أفضل لأن مقام هذا في سخوات النفس والتحقق بالزهد أفضل ، لأن جميع أعمال الأوّل من الاكراه والمجاهدة ومن بذل ماله على تلك الأحوال ، ولأن الأوّل وإن غلب نفسه في الكرة لا يؤمن غلبتها له في كرة ثانية وثالثة إذ ليس السخاء من مقامها لأنها كانت محمولة عليه ، وإليه ذهب أبو القاسم الجنيد وهو عندي ما قال . وسئل أبو محمد سهل عن الرجل يتوب عن الشيء فيراه أو يسمع به فيجد له حلاوة . فقال : الحلاوة طبع البشرية ولا بدّ من الطبع وليس له حيلة إلا أن يرفع قلبه إلى مولاه بالشكوى أو ينكره بقلبه ويلزم الانكار ولا يفارقه ويدعو اللّه أن ينسيه ذكر ذلك ويشغله بنفسه بغيره من ذكره وطاعته . وقال : فإن هو غفل عن الإنكار طرفة عين أخاف عليه أن لا يسلم وتعمل الحلاوة في قلبه ، ولكن مع وجدان الحلاوة يلزم قلبه الانكار ويحزن غاية الحزن فإنه لا يضره . وهذا عندي هكذا لأن التوبة لا تصح مع بقاء الشهوة فيكون العبد مرادا بالمجاهدة ، وهذا حال المريدين ومحو الشهوة عن القلب وصف العارفين بدوام التولي ا ه .
( فإن قلت : فما قولك في تائبين أحدهما نسي الذنب ولم يشتغل بالتفكر فيه ، والآخر جعله نصب عينيه ولا يزال يتفكر فيه ويحترق ندما عليه فأيهما أفضل ؟ فاعلم أن هذا أيضا قد اختلفوا فيه فقال بعضهم : حقيقة التوبة أن تنصب ذنبك بين عينيك ) أي لا تنساه وهذا قول أبي محمد سهل التستري . قال القشيري في الرسالة : سمعت أبا حاتم يقول : سمعت أبا نصر السراج الصدفي يقول : سئل سهل بن عبد اللّه عن التوبة . فقال : أن لا تنسى ذنبك ا ه .