تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 725

مساهمون:

ص٧٢٥
بإشارة اليقين وتقمع الشهوة المنبعثة بإشارة الشياطين ، فهاتان قوتان تدل المجاهدة عليهما قطعا . وقول القائل : إن هذا أسلم إذ لو فتر لا يعود إلى الذنب فهذا صحيح ، ولكن استعمال لفظ الأفضل فيه خطأ . وهو كقول القائل : العنين أفضل من الفحل لأنه في أمن من خطر الشهوة ، والصبي أفضل من البالغ لأنه أسلم ، والمفلس أفضل من الملك القاهر القامع لأعدائه لأن المفلس لا عدوّ له والملك ربما يغلب مرة وإن غلب مرات ، وهذا كلام رجل سليم القلب قاصر النظر على الظواهر غير عالم بأن العز في الأخطار وأن العلوّ شرطه اقتحام الإغرار . بل هو كقول القائل : الصياد الذي ليس له فرس ولا كلب أفضل في صناعة الاصطياد وأعلى رتبة من صاحب الكلب والفرس ، لأنه آمن من أن يجمح به فرسه فتنكسر أعضاؤه عند السقوط على الأرض وآمن من أن يعضه الكلب ويعتدي عليه ، وهذا خطأ بل صاحب الفرس والكلب إذا كان قويا عالما بطريق تأديبهما أعلى رتبة وأحرى بدرك سعادة الصيد .
شرح
يقينه واستيلاء ) أي غلبة ( دينه على شهوته فهو دليل ) قوي ( قاطع على قوّة اليقين وعلى قوّة الدين ، وأعني بقوّة الدين قوّة الإرادة التي تنبعث بإشارة اليقين وتقمع الشهوة المنبعثة بإشارة الشياطين ، فهاتان قوّتان تدل المجاهدة عليهما قطعا والسلامة مطلوبة من المكلفين بالمجاهدة لا بعدم القوى والغرائز ، وأما ( قول القائل ) من البصريين ( إن هذا أسلم إذ لو فتر لا يعود إلى الذنب فهذا صحيح ولكن استعمال لفظ الأفضل فيه خطأ ) إذ لا يلزم من صحته أن يكون الأفضل ، ( هو كقول القائل : العنين أفضل ) من الشهواني ( لأنه في أمن من خطر الشهوة ) لا تتحرك عليه شهوته فلا تحمله على ارتكاب مخالفة ، ( والصبي أفضل من البالغ لأنه أسلم ) إذ لم يكتب عليه القلم ، ( والمفلس ) أي عادم المال أفضل ( من الملك القاهر القامع لأعدائه لأن المفلس لا عدوّ له ) إذ لا مال له والعداوات إنما تنشأ بسبب الأموال غالبا ( والملك ربما يغلب عليه مرة وإن غلب ) على عدوّه ( مرات ، وهذا كلام رجل سليم القلب قاصر النظر على الظواهر غير عالم بأن العز في ركوب الأخطار ، وأن العلو ) في المرتبة ( شرطه اقتحام الأغوار ) من البراري والقفار ، ومن أمثالهم ما استنار بالعسل من اختار الكسل ، ( بل هو كقول القائل : الصياد الذي ليس له فرس ولا كلب أفضل من صناعة الاصطياد وأعلى رتبة من صاحب الكلب والفرس ، لأنه آمن من أن يجمح به فرسه فتنكسر أعضاؤه عند السقوط على الأرض ، وآمن من أن بعضه الكلب ويعتدي عليه وهذا خطأ بل صاحب الفرس والكلب إذا كان قويا عالما بطريق تأديبهما ) ورياضتهما على الوجه الذي ينبغي ( أعلى رتبة وأحرى بدرك سعادة الصيد ) التي هي غاية القصد له .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 725 | مرتضى الزبيدي