الشهوة مرات كثيرة ، وذلك مما لا يدل ظاهر الشرع على اشتراطه أصلا .
فإن قلت : إذا فرضنا تائبين أحدهما سكنت نفسه عن النزوع إلى الذنب ، والآخر بقي في نفسه نزوع إليه وهو يجاهدها ويمنعها فأيهما أفضل ؟ فاعلم أن هذا مما اختلف العلماء فيه ، فقال أحمد بن أبي الحواري وأصحاب أبي سليمان الداراني : أن المجاهد أفضل لأن له مع التوبة فضل الجهاد . وقال علماء البصرة : ذلك الآخر أفضل لأنه لو فتر في توبته كان أقرب إلى السلامة من المجاهد الذي هو في عرضة الفتور عن المجاهدة . وما قاله كل واحد من الفريقين لا يخلو عن حق وعن قصور عن كمال الحقيقة .
والحق فيه أن الذي انقطع نزوع نفسه له حالتان :
إحداهما : أن يكون انقطاع نزوعه إليها بفتور في نفس الشهوة فقط ، فالمجاهد أفضل من هذا إذ تركه بالمجاهدة قد دل على قوة نفسه واستيلاء دينه على شهوته فهو دليل قاطع على قوة اليقين وعلى قوّة الدين ، وأعني بقوة الدين قوة الإرادة التي تنبعث
شرح
نفسه في عين تلك الشهوة مرات كثيرة ، وذلك مما لا يدل ظاهر الشرع على اشتراطه أصلا .
فإن قلت : إذا فرضنا تائبين أحدهما سكنت نفسه عن النزوع إلى الذنب ) أي ترك الذنب وانكمش في الاستبدال فلم تكن نفسه تنازعه ولا تطالبه في الذنب ، ( والآخر بقي في نفسه نزوع إليه ) أي ترك ذنبا وعمل في الاستقامة ونفسه تنازعه إليه ، ( وهو ينازعها ويمنعها فأيهما أفضل ؟ فاعلم أن هذا مما اختلف العلماء فيه ، فقال ) الشاميون منهم أبو الحسن ( أحمد بن أبي الحواري ) الدمشقي من كبائر المشايخ ، صحب أبا سليمان الداراني ، وكان الجنيد يقول هو ريحانة الشام مات سنة ثلاث ومائتين ( وأصحاب أبي سليمان الداراني ) رحمه اللّه : ( إن المجاهد أفضل لأن له مع التوبة فضل الجهاد ) أي الذي تنازعه نفسه إلى الذنب وهو يجاهدها أفضل لأنه غلب منازعتها وله فضل مجاهدتها . ( وقال علماء البصرة : ذلك الآخر ) أي الذي سكنت نفسه عن المنازعة بشاهد من شواهد اليقين والطمأنينة ( أفضل ) ومال إلى ذلك رباح بن عمرو القيسي وهو من كبار علماء البصريين قال : ( لأنه لو فتر في توبته كان أقرب إلى السلامة من المجاهد الذي هو في عرضة الفتور عن المجاهدة ) أي فلا يؤمن عليه الرجوع ، وقد نقل صاحب القوت القولين وكأنه مال إلى قول البصريين ، ولكن المصنف رحمه اللّه تعالى توسط بين المذهبين وقال :
( وما قاله كل واحد من الفريقين لا يخلو عن حق وعن قصور عن كمال الحقيقة والحق فيه ) ما نذكره ، وهو ( أن الذي انقطع نزوع نفسه ) وسكن ( له حالتان ) :
( أحداهما : أن يكون انقطاع نزوعه إليها ) أي إلى المعاصي وفي نسخة إليه أي إلى الذنب ( بفتور في نفس الشهوة فقط ، فالمجاهد أفضل من هذا إذ تركه بالمجاهدة قد دلّ على قوّة