متواضعين وانقادوا له في أغراضه موقرين فأصابت النفس في ذلك لذة هي أعظم اللذات وشهوة هي أغلب الشهوات ، فاستحقرت فيه ترك المعاصي والهفوات واستلانت خشونة المواظبة على العبادات لإدراكها في الباطن لذة اللذات وشهرة الشهوات ، فهو يظن أن حياته باللّه وبعبادته المرضية ، وإنما حياته بهذه الشهوة الخفية التي تعمي عن دركها العقول النافذة القوية ، ويرى أنه مخلص في طاعة اللّه ومجتنب لمحارم اللّه ، والنفس قد أبطنت هذه الشهوة تزيينا للعباد وتصنعا للخلق وفرحا بما نالت من المنزلة والوقار وأحبطت بذلك ثواب الطاعات وأجود الأعمال ، وقد أثبتت اسمه في جريدة المنافقين وهو يظن أنه عند اللّه من المقربين ، وهذه مكيدة للنفس لا يسلم منها إلا الصديقون ، ومهواة لا يرقى منها إلا المقربون ولذلك قيل : آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الرياسة .
وإذا كان الرياء هو الداء الدفين الذي هو أعظم شبكة للشياطين ، وجب شرح القول في سببه وحقيقته ودرجاته وأقسامه وطرق معالجته والحذر منه ، ويتضح الغرض منه في
شرح
( في المجالس ، وآثروه بالمطاعم والملابس ، وتصاغروا ) أي تذللوا ( متواضعين وانقادوا إليه في أغراضه موقرين ) أي معظمين ، ( فأصابت النفس من ذلك لذة ) معنوية ( هي أعظم اللذات ) وأهنؤها ( وشهوة هي أغلب الشهوات ) وأقواها ، ( واستحقرت منها ترك المعاصي والهفوات ) أي الزلات ( واستلانت خشونة المواظبة على العبادات ) الظاهرة ( لإدراكها في الباطن لذة اللذات وشهوة الشهوات ، وهو يظن ) في نفسه مع ذلك ( أن قيامه باللّه و ) أن قيامه ( بعباداته المرضية ) عند اللّه ، ( وإنما قيامه ) في الحقيقة ( بهذه الشهوة الخفية التي يعمى عن دركها ) ويفحم عن سبرها ( الا العقول ) الكاملة ( النافذة ) بصيرتها ( القوية ) من نورها ، ( ويرى أنه مخلص في طاعة اللّه ومجتنب لمحارم اللّه ، والنفس قد أبطنت هذه الشهوة ) واتخذتها ( تزيينا للعبادة وتصنعا للخلق وفرحا بما نالت من المنزلة ) عندهم ( والوقار وأحبطت بذلك ثواب الطاعات وأجور الأعمال ) لعدم الاخلاص فيها ، ( وأثبتت اسمه في جريدة المنافقين ) الذين يبطنون خلاف ما يظهرون ( وهو يظن أنه عند اللّه من المقربين ) من ظفره الإلهية ، ( وهذه مكيدة للنفس لا يسلم منها إلا الصديقون ، ومهواة لا يرقى عنها إلا المقربون ) ممن عصمهم اللّه تعالى بتوفيقه ، ( ولذلك قيل : آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الرئاسة ) كما نقله القشيري وصاحب القوت . ( وإذا كان الرياء هو الداء الدفين ) أي المدفون في باطن القلب ( الذي هو أعظم شبكة الشياطين ) الذين يصطادون بها الرجال ، ( وجب شرح القول في سببه وحقيقته ودرجاته وأقسامه وطرق معالجته والحذر منه ، وينصح الغرض منه في ترتيب الكتاب على شطرين ) .