عامة العباد والأتقياء ، وهو من أواخر غوائل النفس وبواطن مكايدها . وإنما يبتلي به العلماء والعباد المشمرون عن ساق الجد لسلوك سبيل الآخرة ، فإنهم مهما قهروا أنفسهم وجاهدوا وفطموها عن الشهوات وصانوها عن الشبهات وحملوها بالقهر على أصناف العبادات عجزت نفوسهم عن الطمع في المعاصي الظاهرة الواقعة على الجوارح ، فطلبت الاستراحة إلى التظاهر بالخير وإظهار العمل والعلم ، فوجدت مخلصا من مشقة المجاهدة إلى لذة القبول عند الخلق ونظرهم إليه بعين الوقار والتعظيم ، فسارعت إلى إظهار الطاعة وتوصلت إلى اطلاع الخلق ولم تقنع باطلاع الخالق ، وفرحت بحمد الناس ولم تقنع بحمد اللّه وحده ، وعلمت أنهم إذا عرفوا تركه الشهوات وتوقيه الشبهات وتحمله مشاق العبادات أطلقوا ألسنتهم بالمدح والثناء وبالغوا في التقريظ والإطراء ونظروا إليه بعين التوقير والاحترام وتبركوا بمشاهدته ولقائه ورغبوا في بركته ودعائه ، وحرصوا على اتباع رأيه وفاتحوه بالخدمة والسلام ، وأكرموه في المحافل غاية الإكرام ، وسامحوه في البيع والمعاملات ، وقدموه في المجالس وآثروه بالمطاعم والملابس ، وتصاغروا له
شرح
( فضلا عن عامة العباد ) جمع عابد ( والأتقياء ، وهو من أواخر غوائل النفس ) خروجا منها ( وبواطن مكائدها ) التي لا يطلع عليها سوى من خلقها ، ( وإنما يبتلى بها العلماء والعباد المشمرون عن ساق الجد لسلوك طريق الآخرة ) وفي نسخة سبيل الآخرة ، ( فإنهم مهما قهروا أنفسهم ) بالرياضات ( وجاهدوها ) بالاختبارات ( وفطموها عن ) ثدي ( الشهوات وصانوها عن الشبهات أي عن الاقتحام فيها وحملوها بالقهر على أصناف العبادات ، عجزت نفوسهم عن الطمع في المعاصي الظاهرة الواقعة على الجوارح ) فإنها لا تكاد تخطر له ببال وقد انسد بابها عليه ، ( فطلبت الاستراحة ) السكون ( إلى التظاهر بالخير وإظهار العمل والعلم فوجدت مخلصة من ) ألم ( مشقة المجاهدة إلى لذة القبول عند الخلق ونظرهم إليه بعين الوقار والتعظيم ، فسارعت إلى إظهار الطاعة وتوصلت إلى اطلاع الخلق ) عليها ، ( ولم تقنع باطلاع الخالق وفرحت بحمد الناس ولم تقنع بحمد اللّه وحده ) بل أرادت ضم حمد الناس إليه ، ( وعلمت أنهم إذا عرفوا تركه الشهوات ) النفسية ( وتوقيه الشبهات ) في المعاملة ( وتحمله مشاق العبادات ) من صوم في أيام الصيف وطول قيام في الصلوات وملازمة المساجد وغيرها ، ( أطلقوا ألسنتهم بالمدح والثناء بالغوا في التقريظ ) وهو المدح على الحي كما أن الرثاء المدح على الميت ( والإطراء ) المبالغة في المدح ، ( ونظروا إليه بعين التوقير والاحترام وتبركوا بمشاهدته ولقائه ، ورغبوا في بركة دعائه وحرصوا على اتباع رأيه وفاتحوه بالخدمة والسلام ) والمثول بين يديه ، ( وأكرموه في المحافل ) العامة ( غاية الإكرام ) وأشير إليه بالبنان ( وسامحوه في البيع ) والشراء ( والمعاملات ) الدنيوية ، ( وقدموه ) على غيره